الجنوب أمام أسلوب إسرائيلي جديد: النيران أولًا والقوات لاحقًا
31-08-2026 12:34 PM GMT+03:00
إسرائيل توسّع استخدام النيران في جنوب لبنان.. هل دخلت المنطقة مرحلة «التطهير الناري»؟
يوسّع الجيش الإسرائيلي استخدام النيران في جنوب لبنان قبل تحرك قواته البرية، مستهدفًا مواقع ومنشآت يشتبه في أنها قد تشكل خطرًا على جنوده. وبينما تصف قراءات عسكرية الخطوة بأنها استهداف ناري انتقائي وموضعي لتأمين محاور التقدم، تحذر من احتمال اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مباني ومنشآت استنادًا إلى الاشتباه بوجود تهديد.
لماذا يوسّع الجيش الإسرائيلي استخدام النيران؟
أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي غيّر أسلوب تعامله مع ما يصفه بتهديدات «حزب الله»، بهدف تقليل المخاطر التي تواجه القوات البرية خلال تحركاتها في جنوب لبنان.
وكانت صحيفة «معاريف» قد أفادت الأسبوع الماضي بأن «القيادة الشمالية قررت تغيير أسلوب تعاملها مع ما تصفه بتهديدات حزب الله»، بعد حوادث أصيب فيها جنود جراء انفجارات داخل مبانٍ أو نتيجة اشتباكات وكمائن.
ويقوم الأسلوب الجديد، بحسب ما أوردته الصحيفة، على التعامل مع المواقع التي يُشتبه بأنها تشكل خطرًا قبل وصول القوات البرية إليها، بدل تعريض الجنود للخطر من خلال الدخول المباشر إليها.
هل يعني ذلك «تطهيرًا بالنيران»؟
يثير هذا الأسلوب تساؤلات حول ما إذا كان جنوب لبنان يدخل مرحلة يمكن وصفها عسكريًا بـ«التطهير بالنيران» للمناطق المرتبطة بمحاور تحرك القوات الإسرائيلية.
إلا أن قراءات عسكرية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» تميّز بين تغيير أسلوب العمل الميداني وتغيير قواعد فتح النار.
وقال القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني، العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الجميل، إن ما أوردته «معاريف» يعكس، من منظور عسكري، تحولًا في أسلوب عمل القوات الإسرائيلية، من مواجهة الخطر بعد ظهوره إلى محاولة تحييده مسبقًا قبل تحرك القوات البرية.
وأوضح أن إسرائيل لم تعد تعتمد فقط على الاشتباك المباشر، بل تلجأ إلى تأمين محاور الحركة ومناطق الانتشار بالنيران، استنادًا إلى المراقبة المباشرة أو التقديرات الاستخباراتية والميدانية للمواقع التي قد تشكل خطرًا عليها.
ما المناطق التي قد يشملها هذا الأسلوب؟
أشار الجميل إلى أن هذا الأسلوب قد يشمل المناطق التي لا تحتلها إسرائيل فعليًا، لكنها تفرض عليها سيطرة نارية.
وذكر من بينها منطقة المنصوري وبيوت السياد في القطاع الغربي، ومحيط مرتفعات حداتا وبيت ياحون التي تطلق عليها إسرائيل تسمية مرتفعات «سيلفستر»، إضافة إلى بلدات صربين وعيتا الجبل وبرعشيت في القطاع الأوسط.
كما أشار إلى البلدات المحيطة بمرتفعات علي الطاهر شمال الليطاني، فضلًا عن التعامل مع أي تهديد محتمل داخل المنطقة العازلة التي تسيطر عليها إسرائيل ميدانيًا، وربما في «المناطق التجريبية» لاحقًا.
لكن الجميل شدد على أن هذا الأسلوب لا يعني بالضرورة الانتقال إلى «التطهير الشامل بالنيران» بمفهومه العسكري التقليدي، أي الاستخدام الكثيف والمنظم للنيران على مساحة جغرافية واسعة أو قطاع كامل.
ورأى أن ما يجري يبدو أقرب إلى «تطهير ناري انتقائي وموضعي» يرتبط بحركة القوات الإسرائيلية ومتطلباتها العملانية.
وأضاف أن هذا الأسلوب يعكس اعتمادًا متزايدًا على المدفعية والمدرعات والقوة الجوية، بهدف تقليل الاحتكاك البري المباشر والخسائر المحتملة في صفوف القوات الإسرائيلية.
ما الخطر في هذا الأسلوب؟
حذر الجميل من أن يتحول التمهيد الناري الاستباقي إلى جزء ثابت من آلية تحرك القوات الإسرائيلية وانتشارها في جنوب لبنان.
ورأى أن ذلك قد يفتح المجال أمام توسيع دائرة الاستهداف، بما يشمل منشآت ومباني استنادًا إلى مجرد الاشتباه بوجود خطر، أو استخدام الاشتباه ذريعة لتنفيذ عمليات تدمير مقصودة تحت عنوان الضرورات الأمنية والعسكرية.
هل تغيّرت قواعد الاشتباك؟
في المقابل، يميز العميد المتقاعد سعيد قزح بين تغيير طريقة العمل الميداني وبين تغيير قواعد فتح النار نفسها.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري في جنوب لبنان لا يمثل تحولًا في قواعد الاشتباك، بقدر ما يعكس تغييرًا في طريقة تعامل الجيش الإسرائيلي مع المواقع التي يشتبه بوجود خطر فيها، بهدف الحد من الخسائر البشرية في صفوفه.
وأوضح أن الجيش الإسرائيلي كان يرسل في مرحلة سابقة دوريات أو عناصر لاستطلاع المواقع والتحقق منها ميدانيًا. لكنه، بعد تعرض قواته لخسائر، بينها حادثة مجدل زون وانفجار منشأة مفخخة بعسكريين، يبدو أنه اتجه إلى تجنب إرسال قوات بشرية مباشرة إلى المواقع المشبوهة.
وبدلًا من ذلك، يجري التعامل مع هذه المواقع بالنيران أو باستخدام وسائل استطلاع غير مأهولة.
وأشار قزح إلى أن هذه الوسائل قد تشمل روبوتات متحركة تدخل إلى المنازل أو المواقع المشتبه بها لتفتيشها، معتبرًا أن التغيير الأساسي يكمن في أسلوب التعامل الميداني الذي يوفر حماية أكبر للجنود ويقلل احتمال إصابتهم.
كيف تتعامل القوات مع مصادر الاشتباه؟
أوضح قزح أن القوات الموجودة في منطقة عمليات أو ساحة حرب تتعامل بطبيعتها مع أي مؤشر خطر باعتباره تهديدًا محتملًا، حتى قبل التأكد من أنه خطر حقيقي.
وبالتالي، يكون رد الفعل سريعًا تجاه مصدر الاشتباه، وقد يتدرج وفق طبيعة الخطر وحجمه وبعده عن مواقع القوات.
وقد يبدأ رد الفعل باستخدام النيران المباشرة، ثم يتصاعد عند الحاجة إلى وسائل إسناد أكبر، وصولًا إلى المدفعية أو الطائرات والمسيّرات، وفق تقدير القوة الموجودة في الميدان وحجم التهديد.
وقال قزح إن هذه الإجراءات تندرج ضمن ردود الفعل التي يتدرب عليها العسكريون في ساحات القتال، وضمن قواعد فتح النار المعتمدة، التي تتيح التعامل سريعًا مع مصدر الخطر المحتمل.
وأضاف أن الإجراءات تصبح أكثر تشددًا خلال ساعات الليل، بسبب ضيق هامش التحقق البصري، ما يدفع القوات إلى التعامل بحذر أكبر مع أي حركة أو هدف يُشتبه في أنه قد يضم عناصر مسلحة أو يشكل خطرًا عليها.
ماذا يحدث ميدانيًا في جنوب لبنان؟
تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على بلدات وقرى جنوب لبنان، بالتزامن مع القصف المدفعي والتحركات البرية وعمليات التمشيط بالأسلحة الرشاشة.
ومنذ ساعات فجر الأحد، استهدف القصف وادي السلوقي من جهتي تولين ومجدل سلم، كما طال كفر رمان وأطراف المنصوري وبيوت السياد ومحيط النهر عند أطراف زوطر الشرقية وبلدة زوطر الغربية.
وظهرًا، استهدف القصف المنصوري وأطراف حداثا وبيت ياحون، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة.
كما نفذت طوافة «أباتشي» تمشيطًا برشاشاتها الثقيلة باتجاه أطراف زوطر الشرقية، فيما تقدمت قوة إسرائيلية برفقة جرافة «D9» باتجاه مجرى النهر من جهة زوطر الغربية.
ولاحقًا، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا كبيرًا في بلدة حولا، فيما توغلت قوة عند أطراف ميس الجبل بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف منزلًا وتمشيط بالأسلحة الرشاشة.
كما ألقت مسيّرة قنبلة صوتية عند مدخل بلدة صربين في قضاء بنت جبيل.
ماذا حدث في القطاعين الغربي والأوسط؟
في القطاع الغربي، استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدة المنصوري، فيما ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل مضيئة على حرش عيتا الجبل بهدف إشعال الحرائق.
كما استهدف الحرش وبيت ياحون بعدد من القذائف الثقيلة.
وفي القطاع الأوسط، واصل الجيش الإسرائيلي إضرام النار في ممتلكات الأهالي في بلدة حداثا، حيث أتت النيران على مساحات واسعة من حقول الزيتون، وفق «الوكالة الوطنية للإعلام».
ماذا تعني التطورات؟
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي يركز على تقليل المخاطر التي تواجه قواته البرية عبر توسيع استخدام النيران والاستطلاع غير المأهول قبل التحرك.
وبينما يرى خبراء عسكريون أن ذلك لا يعني بالضرورة تغييرًا في قواعد الاشتباك أو انتقالًا إلى «تطهير ناري شامل»، فإن استمرار هذا الأسلوب وتوسعه قد يرفع مستوى الأضرار في المناطق والمنشآت الواقعة ضمن محاور الحركة أو التي يُشتبه بأنها تشكل تهديدًا.
ويبقى مدى توسع هذا النهج مرتبطًا بطبيعة العمليات البرية الإسرائيلية المقبلة، وبكيفية تعامل الجيش مع المواقع التي يعتبرها مصادر محتملة للخطر في مختلف قطاعات جنوب لبنان.
المصدر : الشرق الأوسط








