تقاطع المصالح يصنع حليفًا جديدًا... لكنه لا يصنع تاريخًا جديدًا حامية هنا... وقاتلة هناك
02-09-2026 12:33 PM GMT+03:00
في السويداء، تقدّم إسرائيل نفسها حاميةً للدروز، وتبرّر تدخلها بضرورة منع المساس بهم. وفي ساحات عربية أخرى، تظهر إسرائيل في موقع مختلف تمامًا، حيث تسقط عملياتها العسكرية قتلى وجرحى بين المدنيين.
ليست المفارقة هنا بين درزي وشيعي، ولا بين طائفة وأخرى. المفارقة أوسع: كيف يصبح العربي الذي تستوجب حمايته تدخّلًا إسرائيليًا في مكان، هو نفسه جزءًا من شعب يدفع ثمن الحرب الإسرائيلية في مكان آخر؟
ربما يكون الجواب في السياسة أكثر منه في العقيدة.
فالدول لا تختار من تحميه ومن تواجهه وفق قاعدة أخلاقية واحدة، بل وفق مصالحها وأمنها وتحالفاتها. وفي جنوب سوريا تحديدًا، لا تنظر إسرائيل إلى السويداء وحدها، بل إلى الجولان وجبل الشيخ وحدودها ومستقبل النفوذ والأمن في سوريا.
من هنا، يمكن فهم التقاء حاجة دروز السويداء إلى الحماية مع المصلحة الإسرائيلية في الجنوب السوري. تقاطع مصالح قد يصنع تحالفًا، لكنه لا يعني بالضرورة تقاطعًا في الهوية أو العقيدة.
حين تدخل العقيدة على خط المصلحة
هنا تحديدًا تأخذ تصريحات الشيخ حكمت الهجري الأخيرة بعدًا مختلفًا.
طلب الحماية في لحظة خطر يمكن تفسيره سياسيًا وإنسانيًا. لكن الحديث عن الدروز باعتبارهم «جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل»، وعن اشتراك معها «بالعقيدة»، ينقل المسألة من الحاضر السياسي إلى التاريخ الديني.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يوجد في العقيدة الدرزية ما يؤسس فعلًا لهذا الارتباط؟ وإذا كان موجودًا، فأين النص أو الوثيقة التاريخية؟
العودة إلى المراجع المتخصصة لا تقدم دليلًا على انتماء عقائدي درزي إلى إسرائيل كدولة أو مشروع سياسي.
فالعقيدة الدرزية تبلورت في بدايات القرن الحادي عشر، وتربط الدراسات الأكاديمية نشأتها بالفكر الإسماعيلي والتأويل الباطني، قبل أن تتطور إلى منظومة دينية ذات خصوصية واضحة. كما أن الكتابات المؤسسة المبكرة جزء من النصوص الدينية الدرزية التي تعود إلى تلك المرحلة.
أي أننا نتحدث عن عقيدة سبقت قيام دولة إسرائيل الحديثة بنحو تسعة قرون.
قد توجد، كما في معظم أديان المشرق، تقاطعات وتأثيرات متبادلة بين أفكار دينية وفلسفية مختلفة. لكن هذا شيء، والانتقال منه إلى القول بانتماء الدروز عقائديًا إلى دولة حديثة شيء آخر.
بل إن دراسة أكاديمية عن إعادة كتابة تاريخ الأصول الدرزية تشير إلى أن مؤرخًا درزيًا من القرن السابع عشر قدّم الدروز ضمن تاريخ التوحيد، وشدد على الطابع الإسلامي للدروز اعتمادًا على النصوص الدينية والتراث التفسيري الدرزي.
والأهم أن الاعتراض على كلام الهجري لم يأتِ من خارجه فقط. ففي 26 آب/أغسطس، أصدرت مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان بيانًا رفضت فيه صراحةً القول إن الدروز جزء من إسرائيل أو مشتركون معها في العقيدة، وأكدت انتماءهم إلى محيطهم العربي والإسلامي.
إذًا، نحن أمام طرح سياسي مختلف عليه داخل البيئة الدرزية نفسها، وليس أمام حقيقة عقائدية يمكن تعميمها على الدروز.
العلاقة موجودة... لكن السياسة صنعت الكثير منها
هذا لا يعني إنكار العلاقة الخاصة التي تطورت بين إسرائيل ودروز الداخل.
فمنذ خمسينيات القرن الماضي، أصبحت الخدمة العسكرية إلزامية للرجال الدروز في إسرائيل، وتطورت مع الوقت مشاركة واسعة في الجيش ومؤسسات الدولة والحياة السياسية. لكن حتى هذه العلاقة لم تكن بسيطة أو موحدة منذ بدايتها. فدراسات تاريخية توثق وجود معارضة درزية للتجنيد، وتوضح أن المؤسسة الإسرائيلية نفسها رأت في ربط الدروز بالدولة قيمة سياسية تتجاوز حاجتها العسكرية إليهم.
كما أن دراسات أحدث تتناول استمرار إشكالية الهوية والانتماء لدى دروز إسرائيل، وخصوصًا بعد قانون «الدولة القومية» لعام 2018، ما يؤكد أن الاندماج السياسي والعسكري نفسه لم يحوّل المسألة إلى وحدة عقائدية أو هوية واحدة غير قابلة للنقاش.
بمعنى أبسط: هناك علاقة إسرائيلية-درزية حقيقية، لكنها علاقة تاريخ سياسي حديث، لا دليلًا بحد ذاتها على تاريخ عقائدي مشترك.
حماية الأقليات... أم سياسة المصالح؟
الأمر لا يتوقف عند الدروز.
فدراسة أكاديمية عن استراتيجية إسرائيل تجاه الأقليات توثق أن فكرة بناء علاقات مع أقليات وقوى غير عربية في المنطقة كانت جزءًا من التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي منذ العقود الأولى للدولة، وارتبطت بما عُرف بـ«تحالف الأطراف» و«تحالف الأقليات». وشملت هذه الرؤية، في مراحل مختلفة، الدروز والأكراد والموارنة وغيرهم.
وهذا لا يعني أن كل علاقة إسرائيلية بأقلية مؤامرة، كما لا يعني أن كل أقلية تتعامل معها تتحول إلى أداة بيدها.
لكنه يضع حماية دروز السويداء ضمن سياق سياسي أوسع: إسرائيل تحمي حيث تلتقي الحماية مع مصالحها، كما تفعل الدول عادةً.
وبالمقابل، قد يرى الهجري أن إسرائيل هي القوة القادرة اليوم على توفير ما لم تستطع دمشق أو أطراف أخرى توفيره للدروز.
لا يحتاج هذا الالتقاء إلى تفسير عقائدي.
المصلحة وحدها تستطيع تفسير الكثير.
عندما يصبح للتحالف مشروع سياسي
لكن النقاش يصبح أكثر حساسية عندما يتجاوز حماية الدروز إلى مستقبل السويداء وشكل علاقتها بالدولة السورية وأي مشروع سياسي جديد في الجنوب.
هنا يصبح السؤال عن الحماية سؤالًا عن النفوذ أيضًا.
فإذا كانت إسرائيل هي القوة القادرة على توفير المظلة الأمنية والسياسية لمشروع جديد، فمن الطبيعي أن تكون لها مصالحها في شكل هذا المشروع وموقعه وعلاقته بجنوب سوريا والجولان.
وقد يلتقي الطرفان عند هذه النقطة: قيادة درزية تبحث عن ضمانات وقوة تحمي مشروعها، وإسرائيل تبحث عن واقع أمني وسياسي أكثر ملاءمة لها على حدودها.
هذا هو تقاطع المصالح بأوضح صوره.
لكنه يبقى تقاطع مصالح، لا وثيقة تاريخية ولا عقيدة جديدة.
الحليف الجديد لا يكتب ألف عام من التاريخ
وهنا ربما نصل إلى جوهر القضية.
من حق أي جماعة تشعر بأنها مهددة أن تبحث عن الحماية. ومن حق الهجري أن يختار سياسيًا الحليف الذي يعتقد أنه قادر على حماية الدروز أو تحقيق رؤيته لمستقبل السويداء. ومن حق آخرين من الدروز أن يرفضوا خياره.
لكن هناك فارقًا بين اختيار حليف جديد وبين إعادة تعريف تاريخ جماعة بأكملها.
الدروز موجودون في بلاد الشام منذ قرون، وتجاربهم السياسية لم تكن واحدة في سوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل. وحتى الدراسات التي تناولت تاريخهم السياسي تظهر كيف تكيفت الجماعات الدرزية مع أزمات وتحولات مختلفة، من لبنان في القرن التاسع عشر إلى الثورة السورية الكبرى عام 1925 والثورة الفلسطينية وحرب 1948.
لذلك لا يمكن اختزال هذا التاريخ كله في خيار سياسي فرضته مرحلة واحدة، كما لا يمكن إنكار خيار سياسي جديد لمجرد أنه يصطدم بخيارات الماضي.
وهنا يصبح السؤال أقل استفزازًا وأكثر ضرورة:
هل يمكن لمصلحة سياسية آنية أن تعيد رسم انتماء جماعة تاريخية بأكملها؟
المصلحة تستطيع أن تغيّر الحلفاء.
والخوف يستطيع أن يغيّر الخيارات.
والحرب تستطيع أن تخلق واقعًا لم يكن موجودًا من قبل.
لكن عندما يصبح المطلوب الانتقال من السياسة إلى العقيدة، ومن التحالف إلى الهوية، يصبح التاريخ هو المرجع، وتصبح الوثيقة هي الدليل.
وحتى الآن، ما تثبته الوقائع هو وجود تقاطع مصالح سياسي واستراتيجي بين إسرائيل وقيادة الهجري، فيما يبقى الحديث عن انتماء عقائدي جامع للدروز موضع اعتراض داخل الطائفة نفسها ولا تسنده المراجع التاريخية التي تناولت نشأة العقيدة.
وهنا تختصر جملة واحدة المشهد كله:
تقاطع المصالح يستطيع أن يصنع حليفًا جديدًا... لكنه لا يصنع تاريخًا جديدًا.
المصدر : Transparency News








