لم يعد مقبولاً أن تتعامل الدولة اللبنانية مع ما يجري على أراضيها باعتباره مجرد «خلية أمنية» جرى ضبطها وانتهى الأمر. ما تكشّف في عكار والبقاع والضاحية أخطر بكثير: لبنان يُستخدم كمساحة خلفية لإعادة تنظيم فلول النظام السوري المخلوع، وتشكيل شبكات قادرة على إنتاج العنف والتهريب والتسلل عبر الحدود.


المسألة ليست خمسة موقوفين، ولا حادثاً أمنياً منفصلاً. إنها شبكة لها امتدادات وأدوار ورأس أفعى، وتشير المعطيات إلى إدارة اللواء محمد جابر خيوطاً منها من موسكو، فيما تتحدث المعلومات الأمنية عن أكثر من خمسين عنصراً يتحركون داخل الأراضي السورية لتسهيل التسلل والتهريب. والأشد خطورة أن الاختراق لم يتوقف عند الحدود أو المجموعات المسلحة، بل وصل إلى داخل مؤسسات الدولة، مع توقيف عناصر أمنية رسمية بشبهة تسهيل نقل السلاح لمصلحة أجهزة تابعة للنظام السابق.

فماذا تنتظر السلطة اللبنانية بعد؟

أن تتحول المخازن إلى مستودعات متفجرات؟ أن تتحول الحدود إلى ممر مفتوح؟ أن تتحول الأراضي اللبنانية إلى غرفة عمليات دائمة لفلول نظام قتل وشرّد مئات الآلاف من السوريين؟

كل محاولات التخفيف من خطورة الملف، أو تغطيته بروايات من نوع «التحضير لمواجهة هجوم سوري على البقاع»، لا تغير شيئاً من حقيقة واحدة: هناك بنية أمنية يجري بناؤها داخل لبنان، والدولة مطالبة بتفكيكها قبل أن تتحول إلى واقع يصعب اقتلاعه.

أما نفي حزب الله أي صلة بالخلية، فلا يمكن أن يكون خاتمة التحقيق. فإذا كان الموقوفون قد أدلوا بإفادات عن تلقي تدريبات على يد كوادر مرتبطة به، وإذا كانت التحقيقات تتوسع باتجاه أسماء أخرى، فالمطلوب أن تتحدث الأدلة والقضاء، لا البيانات السياسية. لا يجوز لأي حزب، مهما بلغت قوته، أن يكون فوق التحقيق أو أن يتحول نفيه إلى بديل عن العدالة.

الأخطر أن استمرار هذه البيئة لا يهدد الأمن اللبناني فقط، بل يضرب موقع لبنان الدولي في الصميم. فالدولة التي تسمح بتحويل أراضيها إلى منصة لشبكات مسلحة عابرة للحدود تعرض نفسها لعقوبات وضغوط وعزلة مالية وسياسية، في وقت لم يعد الاقتصاد اللبناني يحتمل رصاصة إضافية في صدره.

والقول إن ضبط الحدود صعب لم يعد عذراً. نعم، الحدود طويلة ومعقدة، لكن المشكلة الحقيقية ليست في الجغرافيا وحدها؛ المشكلة في القرار السياسي. عندما تكون الدولة حاسمة، تصبح الحدود مسؤولية الجيش. وعندما تكون الدولة مترددة، تتحول الحدود إلى مساحة مفتوحة لكل صاحب مشروع وسلاح ومصلحة.

لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس معالجة إعلامية للفضيحة، بل تدقيق أمني وقضائي شامل: تحديد هوية كل الضباط والكوادر المرتبطين بالنظام السوري السابق والمقيمين أو الناشطين على الأراضي اللبنانية، توقيف كل من تثبت علاقته بالشبكات المسلحة، تفكيك خطوط التهريب، ومصادرة مخازن السلاح والمتفجرات، ووضع الحدود الشمالية والشرقية تحت سلطة الجيش اللبناني وحده.

لبنان ليس فندقاً لفلول الأنظمة، ولا صندوق بريد لصراعات الآخرين، ولا أرضاً مباحة لإعادة تدوير الحروب.

لقد دفع اللبنانيون ثمن المربعات الأمنية والسلاح الخارج عن الدولة لعقود. ومن الجنون أن يسمحوا اليوم بإنشاء مربعات جديدة تحت عنوان آخر.

المسألة باتت أكبر من خلية وأكبر من حزب وأكبر من خلاف سياسي. إنها امتحان لوجود الدولة نفسها.

إما أن تقرر السلطة أن لبنان دولة، فتفرض القانون على الجميع، أو أن تعترف بأنها عاجزة عن حماية حدودها وأمنها وقرارها. أما أن تعرف بوجود الخطر، ثم تتركه يكبر، فذلك ليس حياداً ولا عجزاً فقط؛ بل مسؤولية سياسية كاملة عن الكارثة التي قد تأتي.


المصدر : Transparency News