ما بعد علي الطاهر.. هل يتسع نطاق المواجهة؟
08-09-2026 10:09 AM GMT+03:00
تبرز المفارقة في أن الجهة التي لطالما اتهمت الآخرين بالتفريط بحقوق لبنان، تبدو، وفق هذا الطرح، أمام مسؤولية مباشرة عن تعطيل فرص تثبيت الهدوء وإعادة الجنوب إلى دائرة النار. فإبقاء السلاح حاضرًا في الميدان، وإطلاق المسيّرات، يمنح إسرائيل مبررات إضافية لتوسيع عملياتها العسكرية، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
المفاوضات تتحرك والسياسة تبحث عن مخارج
ويأتي هذا التصعيد الميداني في وقت يتحرك فيه المسار السياسي باتجاه مختلف، مع اقتراب الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، ومحاولة إيجاد مخارج دبلوماسية لترتيبات أكثر استقرارًا على الحدود.
وبحسب معلومات أوردتها «نداء الوطن»، يدور في الكواليس حديث عن إمكانية نقل مفاوضات روما، التي لم يُحدَّد موعدها بعد، إلى واشنطن. كما يجري البحث في طبيعة الوفد اللبناني، بين احتمال اقتصاره على الجانب العسكري أو دمج المستويين العسكري والسياسي. إلا أن هذه الخيارات لا تزال غير محسومة، بانتظار إبلاغ قصر بعبدا رسميًا بمكان المفاوضات وموعدها.
مؤتمر باريس ودعم مشروع الدولة
وفي موازاة ذلك، يكتسب مؤتمر باريس التحضيري لدعم الجيش اللبناني أهمية سياسية تتجاوز الجانب اللوجستي، إذ يأتي، وفق قراءة سياسية، بمثابة اختبار دولي لمشروع الدولة اللبنانية، بما يشمله من جيش قادر، وقرار سيادي موحّد، وسيطرة للدولة على أراضيها.
ويُنظر إلى دعم المؤسسة العسكرية على أنه جزء من مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على الإمساك بالأرض والقرار والسلاح، في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها لبنان.
27 قتيلًا و69 جريحًا خلال ثلاثة أيام
ميدانيًا، أسفرت الغارات الإسرائيلية على مناطق جنوبية خلال الأيام الثلاثة الماضية، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، عن مقتل 27 شخصًا وإصابة 69 آخرين، بينهم أطفال ونساء ومسعفون.
وفي كفررمان، أدت غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنيًا مؤلفًا من ثلاثة طوابق إلى مقتل 11 شخصًا وإصابة ثمانية آخرين.
من جهتها، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، عبر منصة «أكس»، أن عناصر من «حزب الله» أطلقوا مسيّرتين مفخختين باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في مرتفعات علي الطاهر، مشيرة إلى أن ذلك استدعى ردًا إسرائيليًا استهدف بنى تحتية تابعة لـ«الحزب» في عدد من المناطق.
واشنطن تحذّر من ردّ إسرائيلي أقسى
وبحسب ما نقلته «نداء الوطن» عن مصادرها، أبلغت واشنطن الدولة اللبنانية أن التصعيد الإسرائيلي في النبطية ومحيطها مرتبط، من وجهة النظر الأميركية، بهجمات «حزب الله» على الجيش الإسرائيلي وإطلاق المسيّرات، إضافة إلى تحركات أخرى للحزب في تلك المناطق.
ووفق المعلومات نفسها، تلقى لبنان تحذيرات من أن أي تحرك جديد لـ«حزب الله» سيقابل برد عسكري إسرائيلي قوي، في ظل استمرار التوتر الميداني.
اتصالات رئاسية لاحتواء التصعيد
وفي السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ«نداء الوطن» إن التطورات العسكرية في الجنوب، ولا سيما توسيع العمليات الإسرائيلية وتركيزها على مدينة النبطية ومحيطها وصولًا إلى جبل الريحان، استحوذت على الاهتمام الرسمي اللبناني.
وأشار المصدر إلى تكثيف الاتصالات بين المقرات الرئاسية والجهات الخارجية بعيدًا من الأضواء، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع تمدده إلى مناطق إضافية.
وأوضح أن رئيس الجمهورية جوزاف عون تولى الاتصالات الخارجية مع الدول العربية والغربية، وتركزت جهوده على وقف التصعيد والاعتداءات الإسرائيلية وإلزام إسرائيل بصيغة الإطار، فيما أجرى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي مشاورات موسعة مع نظرائه العرب، بالتزامن مع مشاركته في الاجتماع الوزاري العربي.
أما داخليًا، فتركزت الاتصالات، وفق المصدر نفسه، على ضرورة توحيد الموقف اللبناني إزاء التصعيد وعدم الانجرار إلى ما وصفه بـ«الأهداف الإسرائيلية»، ومنها تحويل الجنوب إلى «صندوقة اقتراع» في انتخابات الكنيست.
مرحلة ما بعد علي الطاهر
وفي تطور لافت، تكشف مصادر دبلوماسية غربية، بحسب «نداء الوطن»، أن المرحلة التي تلي منشأة علي الطاهر قد تكون الأكثر حساسية، في ظل توجه إسرائيل نحو تشديد قبضتها الميدانية في الجنوب والاستمرار في استهداف البنية العسكرية لـ«حزب الله»، بالتزامن مع تعثر تسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني.
وتحذر المصادر من احتمال انتقال العمليات العسكرية إلى خارج الجنوب خلال المرحلة المقبلة، مع توسيع نطاق استهداف الأنفاق والمنشآت العسكرية في مناطق لبنانية أخرى، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة واتساعًا.
وبينما تتحرك الاتصالات السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد وتهيئة الأرضية لجولة جديدة من المفاوضات، يبقى الجنوب أمام معادلة شديدة الحساسية: مسار سياسي يسعى إلى تثبيت ترتيبات أكثر استقرارًا، في مقابل واقع ميداني قد يؤدي استمرار التصعيد فيه إلى تضييق هامش الحلول ورفع كلفة المواجهة على لبنان واللبنانيين.
المصدر : وكالات








