كلّن يا جنوب باعوك الكلام... والأرض تشهد
09-09-2026 11:08 AM GMT+03:00
كاذبون أنتم؟ أم أن الوعود كانت أكبر من أصحابها؟
كم وعدًا مرّ من هنا، وكم خطابًا ارتفع باسم الجنوب؟ قيل إن المقاومة تحميه، وإن الدولة ستستعيد سيادتها، وإن الدبلوماسية ستوقف النار، وإن المجتمع الدولي لن يتركه وحيدًا. تعدّدت الوعود واختلف أصحابها، وبقي الجنوب ينتظر أن يتحول الكلام إلى فعل.
واليوم، بعدما تبدّلت ملامح القرى وتغيّرت معالمها، واحترقت الأرض وهُجّر أهلها، وخسر آخرون ما لا يعوّضه إعمار، لم يعد الجنوب بحاجة إلى من يجيبه. الأرض تجيب: حريقها ودمارها شاهدان على ما انتهت إليه كل تلك الوعود.
لهذا تعود اليوم عبارة الفنانة اللبنانية جوليا بطرس «كلّن يا جنوب باعوك الكلام»، لا كأغنية من زمن مضى، بل كتوصيف سياسي للحظة الراهنة. ومن حق جوليا، التي غنّت طويلًا للجنوب والمقاومة، أن تفرح في عرس ابنها؛ فالفرح ليس تهمة، والحياة لا تتوقف لأن الحرب لم تتوقف. لكن للمشهد مفارقته القاسية: هناك عرس وفرح وحياة تمضي، وهنا الجنوب الذي غنّت له يومًا، قرى مدمّرة وأرض محروقة وأهل ينتظرون العودة.
الأغنية بقيت، فيما الجنوب الذي غُنّيت له تغيّرت ملامحه.
والحال ليس حال جوليا وحدها. الجميع أكمل طريقه: لكل دولة مصالحها، ولكل مسؤول حساباته، ولكل طرف أولوياته. وحده الجنوب بقي أمام امتحان الوعود التي قيلت له.
وكانت تلة علي الطاهر واحدًا من أكبر تلك الامتحانات.
علي الطاهر... حين سقط الوعد قبل التلة
انتظرت علي الطاهر طويلًا على وقع معادلات الردع والرسائل الإيرانية، حتى بدا وكأن العبارة المعلّقة فوقها هي: «ممنوع المساس بعلي الطاهر».
لكن قبل انتظار وعد إيران للتلة، كان ثمة سؤال أكبر: هل ردّت طهران بما غيّر المعادلة حين اغتيل من كان يُقدَّم بوصفه «سيد المقاومة»، حتى ننتظر منها أن تخوض المواجهة من أجل علي الطاهر؟
سقطت علي الطاهر، ولم تهتز إيران.
وليس المطلوب أن تدخل طهران حربًا من أجل تلة لبنانية؛ فإيران دولة لها مصالحها وحساباتها، كما لكل دولة. لكن المشكلة ليست في قرارها ألّا تحارب، بل في الوعود التي سبقت لحظة الاختبار. فإذا كانت المصلحة هي التي تحكم عند الامتحان، فلماذا يُطلب من الناس قبل الامتحان أن يتعاملوا مع الخطوط الحمراء وكأنها ضمانات؟
ما قيل إنه ممنوع حصل، وما قيل إنه خط أحمر جرى اختباره. وهكذا لم يعد السؤال ماذا حصل في علي الطاهر، بل السؤال الأخطر:
ماذا بعد علي الطاهر؟
من علي الطاهر إلى النبطية... الخطر في الخريطة
هنا لا يمكن التعامل مع كل تلة أو موقع بوصفه هدفًا منفصلًا ينتهي أثره بانتهاء العملية العسكرية. فما بعد علي الطاهر يفتح القلق على جغرافيا أوسع، من النبطية ومحيطها إلى الريحان وإقليم التفاح، وصولًا إلى ما قد يعنيه تمدد الضغط إلى مساحات أعمق.
والنبطية ليست مجرد اسم آخر على الخريطة. موقعها يجعلها عقدة أساسية لجبل عامل ولعدد كبير من القرى والطرق المحيطة، ولذلك فإن انتقال الضغط نحو هذه الجغرافيا يغيّر طبيعة المواجهة.
وهنا تحديدًا تكتسب التلال والمرتفعات أهميتها. فإسرائيل ليست مضطرة إلى احتلال كل قرية كي تتحكم بمساحة واسعة. قد يكفي مرتفع يكشف ما حوله، أو ممر يتحكم بالحركة، أو طريق استراتيجي، لصناعة واقع أمني جديد.
فالسيطرة لا تعني دائمًا احتلال كل متر من الأرض؛ أحيانًا يكفي امتلاك مفاتيحها.
ومن هنا يصبح السؤال أبعد من تلة بعينها: هل نحن أمام أهداف عسكرية منفصلة، أم أمام مسار تتحول فيه التلال والممرات والطرق إلى شبكة سيطرة، ثم تتحول السيطرة إلى أمر واقع، والأمر الواقع إلى ورقة سياسية؟
الجولة الثامنة... والميدان لا ينتظر
في المقابل، ينتظر لبنان الجولة الثامنة من المفاوضات، فيما تبقى العودة إلى الطاولة عالقة أمام الخلاف على الشروط والضمانات، وبين مطلب وقف الأعمال العدائية والانسحاب وتثبيت حضور الجيش، وما تريده إسرائيل قبل استكمال المسار.
لكن السؤال الأهم لم يعد متى تبدأ الجولة الثامنة، بل: ماذا سيكون قد تغيّر قبل أن تبدأ؟
هل ستأتي المفاوضات لتوقف الميدان، أم أن الميدان هو الذي يفاوض اليوم قبل المفاوضين ويصنع الوقائع التي ستُحمل غدًا إلى الطاولة؟
فإذا كان كل يوم يضيف واقعًا جديدًا، يصبح الوقت نفسه ورقة تفاوض. وما كان مطلوبًا الانسحاب منه بالأمس قد يتحول غدًا إلى نقطة يجري التفاوض عليها.
وهنا تكمن الخطورة: أن يصل لبنان إلى الجولة الثامنة مطالبًا باستعادة ما كان يملكه عند الجولة السابعة.
فالخرائط لا تتغير دائمًا بإعلان رسمي. قد تبدأ الحكاية بتلة، ثم ممر، ثم طريق، ثم منطقة يصعب على أهلها العودة إليها، وبعدها يأتي التفاوض ليتعامل مع الواقع الذي أصبح موجودًا.
وعلى أي خريطة سيفاوض لبنان إذا كانت الخريطة نفسها تتغير فيما ينتظر المفاوضات؟
إسرائيل لا تتحرك عبثًا
هنا أصل المسألة وخلاصتها.
بعد كل ما حصل، يصبح من الصعب اعتبار استهداف التلال والمرتفعات والممرات مجرد أحداث عسكرية متفرقة لا يجمع بينها اتجاه. اختيار الجغرافيا ليس عبثًا، والسيطرة على مفاتيحها ليست تفصيلًا.
ما يجري يرسم ملامح مشروع إسرائيلي يتجاوز الضربة العسكرية الآنية إلى محاولة فرض الهيمنة الأمنية والسيطرة على مفاتيح الجغرافيا الجنوبية وصناعة وقائع تمنح إسرائيل قدرة أكبر على التحكم بالأرض وموقعًا أقوى حين يحين التفاوض. أما المدى النهائي لهذا المشروع وقدرة إسرائيل على تنفيذه كاملًا، فذلك ما ستحدده موازين القوى والميدان والسياسة.
وهنا المفارقة الأقسى.
ذهبتم إلى المفاوضات ووعدتم الجنوب بأن السياسة ستحميه. قيل له إن الدولة ستعود، وإن الردع سيحميه، وإن الخطوط الحمراء لن تُمس، وإن المجتمع الدولي لن يسمح بتغيير الوقائع. وفيما كانت الوعود تُقال، كانت إسرائيل تعمل على الأرض.
فالاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى جندي في كل قرية، والهيمنة لا تحتاج إلى علم فوق كل منزل. قد يكفي أن تملك التلة التي تكشف القرية، والطريق الذي يصل إليها، والممر الذي يتحكم بحركتها، لتبقى الأرض لبنانية على الخريطة فيما يتغير واقعها على الأرض.
لذلك، لا تقولوا إن إسرائيل بلا مشروع فيما التلال تُستهدف، والوقائع تتبدل، والمفاوضات تنتظر. المشروع لا يحتاج إلى إعلان كي يبدأ؛ قد يبدأ بتلة، ثم طريق، ثم منطقة، ثم أمر واقع... وبعدها تأتي المفاوضات لتناقش ما أصبح موجودًا.
تعدّدت الوعود واختلف أصحابها، ولكل منهم اليوم مصالحه وحساباته ومبرراته. أما الجنوب فلا يستعيد أرضه بالمبررات، ولا يمحو دمار قراه حسن النيات.
هم وعدوا... وإسرائيل أوفت.
أوفت بما أعلنت أنها ستفعله على الأرض، فيما بقي الآخرون يشرحون لماذا لم يستطيعوا الوفاء بما وعدوا به.
فكم من الأرض يجب أن تتغيّر... قبل أن تتوقف الوعود ويبدأ الفعل؟
المصدر : Transparency News








