الأباتي بولس نعمان... راهبٌ حمل همّ الله والوطن والإنسان
12-09-2026 02:56 PM GMT+03:00
غيّب الموت الأباتي بولس نعمان، الرئيس العام الأسبق للرهبانية اللبنانية المارونية، عن أربعة وتسعين عامًا، بعد مسيرة طويلة جمع فيها بين الرهبنة والعلم والتاريخ والعمل الوطني. وبرحيله، تخسر الرهبانية راهبًا متعبّدًا ومثقفًا وباحثًا، ويخسر لبنان شاهدًا عاش إحدى أكثر مراحله قسوة واضطرابًا.
لم يكن الأباتي نعمان راهبًا منعزلًا عن قضايا الناس. فمنذ عودته من روما، حيث تخصص في اللاهوت والتاريخ، انفتح على الشباب اللبناني، مواكبًا ومرشدًا وباحثًا معهم في مصير لبنان وهويته ومستقبله. ثم انخرط في الحياة الوطنية، وكان عضوًا في الجبهة اللبنانية، انطلاقًا من قناعة بأن مسؤولية الراهب لا تنفصل عن مسؤوليته تجاه الإنسان والمجتمع والوطن.
وفي عام 1980 انتُخب رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية خلفًا للأباتي شربل قسيس، في زمن كان لبنان فيه غارقًا في الحرب والتهجير والخوف. فكانت الرهبانية في عهده إلى جانب الناس؛ احتضنت المهجرين والمنكوبين، وساهمت في تأمين المأوى والمساعدة، حتى تحولت الأديرة إلى مساحات للنجدة والصمود. كما أُقيمت في عهده مشاريع لإيواء المهجرين، ومنها أبنية أنشئت عام 1984 في أرزاق دير سيدة المعونات.
ورأى نعمان في العمل الوطني امتدادًا لرسالته الرهبانية، لا خروجًا منها. وقد ارتبط اسمه بمرحلة انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، الذي رأى فيه مشروعًا لاستعادة الدولة. غير أن اغتيال بشير شكّل بالنسبة إليه نهاية مرحلة وأدخل لبنان في منعطف آخر شديد القسوة.
أما المؤرخ والباحث فيه، فبقي حاضرًا في كتبه وأبحاثه، ولا سيما في دراسة تاريخ الموارنة وجذورهم وروحانيتهم ودورهم في لبنان. وكان من أبرز أعماله كتاب «الإنسان، الوطن، الحرية» الذي دوّن فيه مذكراته وشهادته على مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، إلى جانب مؤلفات وأبحاث أخرى في التاريخ الماروني واللبناني.
لكن ما يبقى من الأباتي بولس نعمان ليس الكتب وحدها، ولا المناصب، ولا المواقف السياسية؛ بل صورة راهب آمن بأن خدمة الله تمرّ أيضًا بخدمة الإنسان، وأن الدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة أبنائه وحريتهم وحقهم في العيش معًا.
رحل الأباتي نعمان، وبقي أثر رجل عاش الرهبنة في قلب الناس، وقرأ التاريخ بعين الشاهد، وحمل لبنان في قلبه في أصعب أيامه.
كان راهبًا، ومؤرخًا، ورجل موقف؛ لكن قبل ذلك وبعده، كان إنسانًا حاول أن يبقى وفيًا لله وللإنسان وللبنان.
رحم الله الأباتي بولس نعمان، ولتكن سيرته وكتبه وشهادته جزءًا من ذاكرة لبنان التي لا ينبغي أن تضيع.
المصدر : Transparency News








