قمة ثلاثية تسبق مؤتمر باريس لحشد الدعم للجيش
14-09-2026 08:01 AM GMT+03:00
بعد 44 عامًا على اغتيال بشير الجميّل، لا تزال تجربته السياسية حاضرة في النقاش حول شكل الدولة اللبنانية وحدود سيادتها، في وقت يتحول فيه الجنوب إلى ساحة اختبار فعلية لقدرة الدولة على بسط سلطتها وتعزيز حضور الجيش والأجهزة الأمنية، وسط دعم من الأهالي، مقابل استمرار رفض «حزب الله» تسليم سلاحه وتمكين الدولة من احتكار القوة والقرار.
وتستعيد هذه المعادلة، وفق مقاربة سياسية لبنانية، التناقض بين نموذج «جمهورية البشير» ونموذج «جمهورية خامنئي»، باعتبار أن الأول يقوم على دولة لبنانية موحدة وذات سيادة، فيما يمثل الثاني، بحسب منتقدي «حزب الله»، مشروعًا مرتبطًا بإيران. وفي هذا السياق، تبرز تجربة بشير الجميّل الذي قاد ما وصفه أنصاره بالمقاومة اللبنانية، لا باعتبارها غاية قائمة بذاتها أو مشروع دويلة داخل الدولة، بل ضمن رؤية سياسية لدولة ذات سيادة.
ومع طرح مسألة إعادة الأرض إلى كنف الشرعية، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي نفّذ انسحابًا محدودًا من مرتفعات علي الطاهر باتجاه قلعة الشقيف، بالتزامن مع اتصالات مع الحكومة اللبنانية لبحث إمكان دخول الجيش اللبناني إلى علي الطاهر ومحيطها. كما تحدثت الهيئة عن خطة إسرائيلية للتراجع تدريجيًا من بعض النقاط التي تتمركز فيها القوات حاليًا، وصولًا إلى «الخط الأصفر». وكانت مصادر إسرائيلية قد أفادت في 11 أيلول بانسحاب القوات من مرتفعات علي الطاهر وإعادة تموضعها في خطوط خلفية بمنطقة الشقيف.
وعلى وقع هذا التطور العسكري، عاد المسار الدبلوماسي إلى الحركة بعد فترة من التجميد، إذ نقلت السفارة الأميركية في بيروت عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر سيجتمعان في وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع المقبل، لبحث التطورات الراهنة ومواصلة تنفيذ «الإطار الثلاثي»، الذي وصفه المسؤول بأنه «الآلية الوحيدة القابلة للتطبيق لاستعادة سيادة لبنان وأمن إسرائيل»، مشيرًا إلى أن الجولة المقبلة من المحادثات الرسمية ستُعقد في روما خلال تشرين الأول.
وبحسب معلومات «نداء الوطن»، سيركز الاجتماع على تقييم الوضع وتذليل العقبات أمام الجولة الجديدة، كما سيشكّل مناسبة لوضع النقاط على الحروف وتحديد مدى جدوى الاستمرار في التفاوض، في وقت تضغط فيه واشنطن للحفاظ على المسار التفاوضي والوصول إلى نتيجة ملموسة. وتؤكد المعطيات السابقة أن ندى حمادة معوّض تشارك في المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي برعاية أميركية، كما شاركت في اجتماعات سابقة مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن.
وبالتوازي مع تقدم ملف دعم الجيش والأجهزة الأمنية، علمت «نداء الوطن» أن قمة ستجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وملك الأردن عبد الله الثاني، قبيل اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش. وستتناول القمة أوضاع لبنان والمنطقة والحروب الدائرة، على أن يليها افتتاح المؤتمر التحضيري الذي يفترض أن يمهّد لحشد دعم واسع للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، وفق شروط وآليات محددة.
وفي موازاة اختبار معادلة الدولة والسيادة على الأرض وفي أروقة التفاوض، عادت ذكرى بشير الجميّل إلى الواجهة من قلب الأشرفية، في مناسبة «بداية بشير»، بحضور دبلوماسي وسياسي وشعبي لافت، تقدمه السفير الأميركي ميشال عيسى.
وفي كلمته خلال المناسبة، اعتبر النائب نديم الجميّل أن المدخل الأساسي للنهوض بالبلاد هو أن «تقبض الدولة حالها جد، وتحترم قراراتها، وتكون على قدر كلمتها»، مشددًا على ضرورة امتلاك الإرادة والجرأة لتنفيذ مشروع دولة حقيقي. وانتقد الرهان على تبدّل موقف «حزب الله»، قائلًا: «إذا كنتم تنتظرون من الحزب أن يصبح لبنانيًا ويسلّم سلاحه للدولة، فأنتم لا تفهمون سياسته، ولا عقيدته، ولا مدى ارتباطه بإيران».
وأشار الجميّل إلى استعداد المجتمع الدولي والدول العربية والخليجية لدعم لبنان، لكنه أعاد المسؤولية أولًا إلى الداخل، متسائلًا: «كيف للعالم أن يأخذنا على محمل الجد وأنتم تسمحون للحرس الثوري الإيراني والميليشيا بمواصلة حفر جبالنا وتكتفون بالمشاهدة؟ هل تريدون أن يصبح كل لبنان شبيهًا ببنت جبيل وعلي الطاهر؟».
وفي تطور لافت على مستوى الخطاب الرسمي، وضعت الدولة اللبنانية هذا العام ذكرى بشير الجميّل في صلب النقاش حول الذاكرة الوطنية ومشروع استعادة الدولة، بعدما كانت الدولة التي استشهد من أجل قيامها قد تحاشت طويلًا ذكر اسمه، في ظل الاحتلال السوري ثم ما وصفه النص بالهيمنة الإيرانية.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن الرئيس الشهيد بقي «رمزًا للإيمان بلبنان الرسالة والسيادة والحرية»، معتبرًا أن شعاره «لبنان 10452 كلم²» اختصر فلسفة وطنية تقوم على وحدة الأرض والكيان ورفض التقسيم والإلغاء، ومجددًا العهد بالعمل على استكمال بناء «الدولة القوية العادلة».
أما رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، فأكد أن الخلاف، مهما اشتد واتسع، لا يمكن أن يبرر اللجوء إلى الاغتيال، سواء عبر العبوات والمتفجرات أو باستخدام كواتم الصوت. وشدد على أن تجاوز صفحات العنف في تاريخ لبنان لا يكون بإنكارها أو طيّها بالنسيان، بل بالمصارحة والمصالحة وإدارة الاختلاف تحت سقف المؤسسات والقواعد الديمقراطية.
المصدر : نداء الوطن








