د. قاسم السعد


في كل صفّ دراسي، يوجد طفل يحتاج إلى وقت أطول ليفهم، وطفلة تخاف أن تسأل أمام زملائها، ومعلم يحمل همّ عشرات الطلاب ويحاول أن يصل إلى كل واحد منهم. هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيداً: ليس لأنه يعرف كل شيء، بل لأنه قد يمنح كل طفل فرصة إضافية ليفهم، ويسأل، ويحاول من جديد.

لكن علينا أن نكون صريحين: الذكاء الاصطناعي لا يعلّم الطفل إذا كان هو من يفكر ويكتب ويحلّ مكانه. قد يساعده في إنجاز الواجب بسرعة، لكنه لا يبني داخله المعرفة ولا الثقة ولا القدرة على مواجهة سؤال جديد وحده. التعلّم ليس ورقةً تُسلَّم، ولا علامةً نعلّقها على الحائط؛ إنه رحلة تتكوّن فيها شخصية الطفل وعقله وقدرته على الفهم والاختيار.

يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة جميلة حين نستخدمه ليشرح الفكرة بطريقة أبسط، أو يقدّم مثالاً قريباً من حياة الطفل، أو يطرح عليه أسئلة تشجعه على التفكير. يمكن أن يساعد الطالب الذي لم يفهم الدرس في الصف، وأن يفتح باباً للحوار أمام من لا يملك الجرأة على السؤال. ويمكن أن يخفف عن المعلم بعض الأعباء، فيمنحه وقتاً أكبر للإنصات إلى طلابه ومساندتهم.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح السؤال: “اكتب لي الجواب”، بدلاً من: “ساعدني كي أفهم.”
فالفارق بين العبارتين صغير في الكلمات، لكنه كبير في التربية.

نحن لا نريد طفلاً يحفظ إجابات جاهزة، بل طفلاً يسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ من قالها؟ هل يوجد رأي آخر؟ كيف أطبقها في حياتي؟
ولا نريد شاباً يستطيع أن ينسخ نصاً متقناً، بل شاباً يعرف كيف يعبّر عن نفسه، ويبحث، ويناقش، ويخطئ ثم يتعلم من خطئه.

لهذا، لا بد أن نعلّم أبناءنا استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي. أن نقول لهم: لا تأخذوا كل ما يقوله على أنه حقيقة. تحقّقوا من المصادر. ناقشوا الإجابة. أضيفوا رأيكم وخبرتكم. اجعلوه مساعداً لكم، لا قائداً لعقولكم.

ويبقى المعلم في قلب هذه العملية. فالتكنولوجيا، مهما تطورت، لا تستطيع أن ترى الحزن في عين طفل، أو أن تكتشف خوفه من الفشل، أو أن تحتفل بمحاولته الصغيرة. المعلم هو من يمنح المعرفة معناها الإنساني، وهو من يحوّل الصف إلى مساحة آمنة للتجربة والتساؤل والاحترام.

في لبنان، حيث يواجه كثير من الأطفال انقطاعاً في التعليم، ونزوحاً، وضغوطاً نفسية واجتماعية، قد تساعدنا هذه الأدوات في إبقاء باب التعلّم مفتوحاً. لكنها لا تعوّض مدرسة آمنة، ولا معلماً حاضراً، ولا كتاباً بين يدي طفل، ولا شعوراً بأن له الحق في أن يتعلم وأن يحلم.

الذكاء الاصطناعي قد يكون مثمراً في التربية عندما يقودنا إلى مزيد من الاهتمام بالطفل، لا إلى إهماله؛ وإلى مزيد من التفكير، لا إلى الاستسهال؛ وإلى تعليم أكثر عدلاً وشمولاً، لا إلى فجوة أكبر بين من يملك الأدوات ومن يُحرم منها.

الغاية ليست أن نصنع أطفالاً أسرع في الحصول على الإجابات، بل أطفالاً أقدر على طرح الأسئلة. ففي السؤال تبدأ المعرفة، وفي التفكير ينمو الإنسان.


المصدر : Transparency News