وليد حسين الخطيب


 صدر عن منشورات المنتدى الثقافي الاجتماعي في البقاع، كتاب في البدء كان الوطن، ويقع في 175 صفحة من القطع الصغير، وهو عبارة عن 29 مقالة لـ29 كاتبًا، جمعه وقدّم له عمر شبلي. وهذا الكتاب بما تضمنه من مقالات، يبدو أنه كان يحتاج إلى قدر أكبر من العناية قبل أن يصل إلى القارئ في صورته النهائية. فباستثناء قلة قليلة من النصوص التي كُتبت بوعي واضح لقيمة الموضوع ومسؤوليته، ثمّة مقالات تبدو أنها كُتبت على عجل، أو جاءت أقرب إلى أداء واجب منها إلى كتابة تستحقّها فكرة الكتاب وما يثيره عنوانه من أسئلة حول لبنان، تاريخه، هويته، واقعه ومصيره.

    ولا أقصد هنا الوقوف طويلًا عند الأخطاء الطباعية أو الإملائية، ولا الدخول في متاهة النحو والصرف والتراكيب، فذلك شأن آخر، وإن كان الكتاب، من حيث الإخراج والتحرير، يحتاج بلا شك إلى مدقق لغوي متمكن وإلى مراجعة تحريرية أكثر دقة وإلى مخرج حصيف. لكن تلك التفاصيل، على أهميتها، ليست ما يعنينا في هذه القراءة؛ فما يعنينا هو الفكرة قبل العبارة، والمعنى قبل المبنى، والموقف قبل الزخرفة.

    ومن المهم التأكيد أيضًا أن هذه القراءة لا تنطلق من رغبة في تسجيل الملاحظات السلبية أو البحث عن مواطن الضعف فحسب، كما أنها لا تقوم على المجاملة أو توزيع عبارات الإطراء بالتساوي على جميع النصوص؛ بل إنها محاولة للإنصاف قبل كل شيء؛ فالكتابة النقدية ليست مدحًا ولا قدحًا، بل تمييز ما يستحق الإشادة ممّا يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، وإبراز الجوانب المضيئة بقدر ما تكشف مواطن الخلل. لذلك، سأحاول أن أكون موضوعيًّا قدر الإمكان، فأشير إلى الأفكار اللافتة والقراءات العميقة والصوغ الموفق، وأتوقف عند ما بدا ضعيفًا أو متعجّلًا أو أقل من مستوى الموضوع المطروح، لا بقصد الانتقاص من أصحاب النصوص، بل بقصد تقديم قراءة صادقة يمكن أن تفيد في تعزيز مواطن القوة وتلافي مواطن الضعف في تجارب لاحقة.

    ولعل السؤال الأول الذي يفرض نفسه بعد الفراغ من الكتاب هو أي لبنان تقترح لنا هذه الصفحات؟ وأي وطن كان في البدء، وأي وطن بقي في النهاية؟

    فالكتاب، على اختلاف أصواته ومقارباته، يدور في فضاء واحد: وطن مأزوم يبحث عن تعريف لنفسه، وعن صيغة تحفظ له وحدته، وتستعيد له سيادته، وتعيد إلى المواطن ثقته في دولته وفي مستقبله. وطن حاضر في الذاكرة أكثر مما هو حاضر في الواقع، ومقيم في وجدان أبنائه حتى حين يضطرّون إلى مغادرته، وطن يراه بعض الكتاب جغرافيا وذاكرة، ويراه آخرون فكرة وثقافة، فيما يراه آخرون مشروع دولة لم يكتمل بعد.

    وهذه، في الحقيقة، واحدة من نقاط قوة الكتاب؛ إذ لا يقدّم لبنان من زاوية واحدة. فثمّة لبنان المكان والذاكرة، ولبنان الطوائف والتعايش، ولبنان الاغتراب، ولبنان الحرب والنزوح، ولبنان الدولة المفقودة، ولبنان الذي يحاول أبناؤه، رغم كل شيء، أن ينتصروا فيه على الخراب. وبين هذه الصور المتعددة تتشكل صورة وطن شديد الغنى في موارده الإنسانية والثقافية، شديد الفقر في قدرته على إدارة هذا الغنى.

     تبدو فكرة الوطن، في عدد كبير من المقالات، أقرب إلى حالة وجدانية منها إلى مفهوم سياسي. الوطن هو المكان الأول، والطفولة الأولى، والبيت، والذاكرة، والقرية، والمدينة، والأرز، والبحر، واللغة، والخبز، والأهل... وفي هذا الجانب، تبرز نصوص جميلة استطاعت أن تمسك بالوطن من جهته الأكثر إنسانية. فحين يُستعاد لبنان من خلال تجربة الاغتراب أو من خلال قرية احتضنت النازحين أو من خلال ذاكرة عائلة عاشت الحرب، يصبح الوطن شخصًا حيًّا لا مجرد حدود مرسومة على الخريطة.

     وإن أكثر ما يلفت في الكتاب أن ثمّة نصوصًا لم تكتفِ بالحديث عن التعايش بوصفه شعارًا، بل قدمت له صورًا من الحياة اليومية. قرية تستقبل نازحين، وناس يتقاسمون الخبز، ومسلم ومسيحي يعيشان في المكان نفسه، وجنوب وبقاع وشمال وبيروت تتداخل في لحظات المحنة، فيسقط الحاجز الطائفي أمام حاجة الإنسان إلى الإنسان. هنا تخرج «الوحدة الوطنية» من الكتب المدرسية والخطب السياسية لتصبح سلوكًا يوميًّا، وتصبح قيمة ملموسة يمكن رؤيتها ولمسها.

    وهذا الجانب تحديدًا يستحق التوقف عنده؛ لأن لبنان، في كثير من الأحيان، يبدو أفضل في لحظات المحنة منه في لحظات السياسة. المواطن العادي يستطيع أن يكون أكثر وطنية من الخطاب السياسي الذي يتحدث باسمه. والناس، حين يواجهون الألم الحقيقي، قد يكتشفون أن الجار أهم من الطائفة، وأن البيت الذي يفتح أبوابه للنازح أصدق من مئة خطاب عن العيش المشترك.

     لكن الكتاب، في المقابل، يكشف مأزقًا آخر، فكثرة الحديث عن الوحدة لا تعني بالضرورة امتلاك تصوّر واضح لكيفية بنائها.

    فعدد من النصوص يدعو إلى الوحدة الوطنية والعيش المشترك والمواطنة، لكنه يبقى في مستوى الخطاب الأخلاقي. نقرأ كثيرًا عن الدولة العادلة، والمساواة، وسيادة القانون، والقرار الوطني، والاستقلال، لكننا نادرًا ما نجد تفكيكًا دقيقًا للآليات التي منعت قيام هذه الدولة. وكأن بعض الكتاب يعرفون جيّدًا كيف يجب أن يكون الوطن، لكنهم يترددون عندما يصلون إلى السؤال الأصعب، وهو لماذا لم يصبح كذلك؟ ومن الذي منعه من أن يصبح كذلك؟

    وهنا تظهر إحدى الملاحظات الأساسية على معظم الكتاب، وهي الميل إلى استخدام كلمات كبيرة مثل «الخارج»، و«التدخلات»، و«الوصايات»، و«المؤامرات»، و«الطائفية»، و«السلاح»... من دون الدخول دائمًا في التفاصيل التي تجعل هذه المفاهيم قابلة للفهم والمساءلة. فالخارج ليس قوة واحدة، والطائفية ليست مجرد كلمة، والوصاية ليست تاريخًا مجرّدًا، والسلاح ليس تفصيلًا عابرًا. فكلما ابتعد النص من تسمية الأشياء، فقد جزءًا من قدرته على تفسيرها.

    لذلك ثمّة مقالات تبدو أنّها تقف أمام الجرح وتصفه بإتقان، لكنها تتردّد في وضع الإصبع على مكان النزف.

    الطائفية، مثلًا، تحضر في الكتاب حضورًا كثيفًا، وهي بالفعل واحدة من أعقد مشكلات التجربة اللبنانية. وقد نجحت بعض النصوص في تجاوز النظرة السطحية إليها بوصفها مجرد تقسيم انتخابي أو محاصصة سياسية، والنظر إليها باعتبارها ثقافة تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع. فالمشكلة ليست في زعيم طائفي أو حزب مذهبي وحسب، بل في أن الإنسان اللبناني يتعلّم منذ طفولته أن أمنه وهويته ومستقبله لا تحميها الدولة، بل الجماعة التي ينتمي إليها.

     وهنا تبرز بعض المقاربات الفكرية المهمة، لا سيما تلك التي استعانت بعلم النفس أو بالفلسفة أو بالنظريات السياسية الحديثة. وقد كان من اللافت أن بعض الكتّاب لم يكتفوا بوصف الانقسام، بل حاولوا البحث في جذوره النفسية والفكرية: الخوف، والانتماء المغلق، وغرف الصدى التي تصنعها وسائل التواصل الاجتماعي، والذات المتشظية، والبحث عن «الآخر» بوصفه تهديدًا دائمًا.

    هذه النصوص كانت من أكثر موادّ الكتاب إثارة للاهتمام، لأنها نقلت النقاش من سؤال «من الطائفة المسؤولة؟» إلى سؤال أعمق، وهو كيف يصبح الإنسان أسيرًا لانتمائه إلى درجة يرى العالم كله من خلاله؟

    في هذا السياق، تبرز المقالات ذات النفس الفلسفي – مقالة الدكتور خالد كموني مثلًا وعنوانها "زيغُ الانتماء: الانفصام الأخلاقي: في المدينة الضالة" - بوصفها من أكثر نصوص الكتاب عمقًا، خصوصًا حين تستعين بالفارابي أو ابن خلدون أو بمفاهيم فلسفية تتصل بالانتماء والمدينة والهوية. وبعضها يرتقي فعلًا من الوصف إلى التشريح، فيكشف أن المشكلة ليست في أن اللبناني ينتمي، فالانتماء حاجة إنسانية، بل في أن يتحول الانتماء إلى مصدر وحيد للحقيقة، وأن تصبح الجماعة معيار الخير والشر، والصواب والخطأ، والحق والباطل.

    غير أن هذا العمق نفسه يحمل مشكلة أخرى، فثمّة نصوص فكرية أفرطت في الاصطلاح، حتى أصبحت تستهدف النخبة لا الإنسان العادي. وثمّة نصوص تحتاج إلى قاموس فلسفي كي تُقرأ، بينما الكتاب، في الأصل، موجه إلى قارئ يريد أن يفهم لبنان لا أن يخوض امتحانًا في المصطلحات الأنطولوجية والفينومينولوجية. العمق الحقيقي ليس في أن نجعل الفكرة عصية على القارئ، بل في أن نصل بها إلى القارئ من دون أن نفقد عمقها.

    من هنا، يمكن القول أن أقوى نصوص الكتاب هي التي استطاعت أن تجمع بين العمق والوضوح، لا التي اكتفت بكثافة المفردات.

    في الجهة المقابلة، ثمّة مقالات اتكأت بصورة كبيرة على الوجدان والشعر والتاريخ والحنين... وهي مقالات جميلة حين تتحدث عن لبنان بوصفه ذاكرة، لكنها تصبح أقل إقناعًا عندما تحاول تفسير أزماته السياسية. فاستدعاء أمجاد الماضي وأدبائه، أو استحضار الشعراء والرحابنة والأرز والبحر... قد يمنح النص جمالًا موسيقيًّا، لكنه لا يجيب على أسئلة الحاضر، وهي لماذا يهاجر اللبناني؟ لماذا تنهار الدولة؟ لماذا يصبح القرار الوطني عرضة للتجاذب؟ ولماذا يصبح السلاح أقوى من المؤسسات؟

    هذه الأسئلة لا يكفي أن نغطيها بالحنين.

     ولعل أجمل ما في بعض النصوص الوجدانية أنها لم تبقَ أسيرة الحنين، بل عادت إلى الإنسان. ثمّة نصوص نجحت في القول أن الوطن ليس حجرًا، وأن إعادة بناء لبنان لا تبدأ بإعادة بناء الطرق والجسور وحسب، بل بإعادة بناء الإنسان وثقته في نفسه وفي الدولة. وهذه الفكرة من أكثر الأفكار نضجًا في الكتاب كله؛ فالمشكلة ليست في خراب العمران وحسب، بل في خراب العلاقة بين المواطن والوطن.

     فعندما يفقد المواطن ثقته في الدولة، يبحث عن بديل. مرة في الطائفة، ومرة في الزعيم، ومرة في الحزب، ومرة في الخارج، ومرة في الهجرة... وهنا يصبح السؤال عن الدولة أكثر إلحاحًا من السؤال عن الشعارات.

    الدولة هي المفصل الذي تلتقي عنده معظم المقالات، حتى حين لا تذكره بصورة مباشرة. فالكاتب الذي يتحدث عن الطائفية، والكاتب الذي يتحدث عن الاغتراب، والكاتب الذي يتحدث عن التعايش، والكاتب الذي يتحدث عن النزوح، والكاتب الذي يتحدث عن الفقر... كلهم، بطريقة أو بأخرى، يعودون إلى السؤال نفسه، وهو أين الدولة؟

    لكن الدولة لا تقوم بمجرد الدعوة إليها.

    وهنا تقع بعض المقالات في مثالية واضحة. ترسم دولة جميلة: قانون، وعدالة، ومساواة، وتعليم، وتنمية، ومواطنة، وسيادة، واستقلال... ثم تنتهي. لكن الدولة لا تُبنى بالأمنيات. ثمة مصالح وقوى وسلاح ومؤسسات مختلّة وتوازنات طائفية وارتباطات إقليمية وذاكرة حروب... ومن دون مواجهة هذه العناصر، يصبح الحديث عن الدولة أقرب إلى كتابة «دستور أخلاقي» منه إلى مشروع سياسي.

    وهذا لا ينتقص من قيمة هذه النصوص؛ على العكس، فبعضها يصلح فعلًا ليكون بيانًا أخلاقيًّا عن الوطن الذي نريد. لكن النقد هنا يطالبها بخطوة إضافية، كيف ننتقل من لبنان الذي نريد إلى لبنان الذي نستطيع بناءه؟

    في هذا السياق تحديدًا، تبرز مسألة السلاح و"المقاومة"، وهي المسألة التي تكشف أكثر من غيرها تفاوت المواقف داخل الكتاب.

    فثمّة نصوص تنظر إلى "المقاومة" بوصفها قيمة وطنية عليا، بل تكاد تجعلها جزءًا من تعريف اللبناني الحقيقي. وبعضها يرى فيها فعل تحرير وبطولة، أو مفهومًا وجوديًّا، أو خيارًا تاريخيًّا ثابتًا. في المقابل، ثمّة نصوص تقترب من فكرة حصرية السلاح بيد الدولة، أو تتحدّث عن السيادة، أو عن الدولة الواحدة والقرار الوطني، لكنّها تتردّد في الانتقال من العموم إلى التحديد.

    وهنا، لا يكون السؤال هل كانت مقاومة الاحتلال حقًّا أم لا؟ فهذه صفحة من التاريخ يمكن بحثها في سياقها. إنّ الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم هي متى تنتهي وظيفة "المقاومة"؟ ومتى يبدأ دور الدولة؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ وهل يمكن أن تكون هناك دولة كاملة السيادة وفي داخلها قوة عسكرية تملك قرارًا مستقلًّا عنها؟

    هذه أسئلة لا يمكن القفز فوقها إذا كان الكتاب يتحدث عن الدولة والسيادة والوطن.

    فالقول إن "المقاومة" جزء من الهوية اللبنانية يحتاج إلى أكثر من الاستشهاد بالتاريخ؛ يحتاج إلى تحديد مفهوم "المقاومة"، ومهمتها، وحدودها، وعلاقتها بالدولة، وما يحدث عندما تتحول من وسيلة مرتبطة بظرف تاريخي إلى قوة سياسية وعسكرية دائمة. في المقابل، فإن نقد تجربة "المقاومة" لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لتضحيات المواطنين أو لجراح عانى منها اللبنانيون في مراحل الاحتلال والحرب. النقد الحقيقي يفرق بين احترام تضحيات الناس ومساءلة المشروع السياسي الذي نشأ حول السلاح.

   وهنا، في رأيي، كانت ثغرة واضحة في عدد من مقالات الكتاب. فبعضها يريد دولة ذات سيادة كاملة، لكنه يتجنب السؤال عن السلاح الذي يحدّ من هذه السيادة. وبعضها يريد وحدة وطنية، لكنه يجعل من موقف سياسي واحد امتحانًا للوطنية. وبعضها يتحدّث عن التبعية للخارج، لكنه لا يحدّد أشكالها ولا يميز بين التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية... وبعضها يتحدث عن حروب الآخرين، لكنه لا يناقش بما يكفي القوى اللبنانية التي سمحت بتحويل لبنان إلى ساحة لهذه الحروب.

    وهذا لا يعني أن السلاح وحده هو سبب كل ما أصاب لبنان – وإن كان كذلك، خصوصًا في العقدين الأخيرين في الأقل - فذلك سيكون تبسيطًا آخر لا يقل خطورة عن تجاهله. فلبنان عرف الطائفية السياسية، والفساد، والمحاصصة، والتدخلات الخارجية، والحروب الأهلية، والاحتلالات، والانهيار الاقتصادي، وسوء الإدارة، ونهب المال العام، قبل أن يصل إلى هذه اللحظة. لكن السلاح خارج الدولة يبقى عنصرًا حاسمًا في سؤال السيادة، ولا يمكن أن نتحدث عن دولة حديثة من دون أن تكون لها الكلمة الأخيرة في الحرب والسلم.

    هذه النقطة بالذات تجعل بعض المقالات أكثر قوة حين تكون صريحة، وأخرى أقل إقناعًا حين تختبئ وراء عبارات مثل «الآخر» و«الخارج» و«المؤامرة»...

    ومن المفارقات اللافتة أن بعض النصوص التي لا تتحدث عن "المقاومة" أصلًا تقدم، من حيث لا تقصد، أقوى حجة ضد الدولة الموازية. حين تتحدث عن المواطن الذي يبحث عن الحماية خارج الدولة، أو عن «أوطان داخل الوطن»، أو عن انتماءات تتغلب على الانتماء الوطني، فإنها تضع يدها على جوهر المشكلة، وهي أنّه لا يمكن أن تكون هناك دولة كاملة إذا كان المواطن يستطيع أن يجد سلطة أقوى من الدولة.

    من هنا، تصبح الوحدة الوطنية أكثر من احتفال بالعيش المشترك. الوحدة ليست أن نتفق جميعًا على الرواية نفسها، بل أن نقبل جميعًا بقواعد واحدة: دولة واحدة، قانون واحد، مؤسسات واحدة، ومواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. وهذا يقودنا إلى واحدة من أهم الثيمات التي تتكرر في الكتاب: المواطن.

فالمواطن في عدد من المقالات ليس بطلًا سياسيًّا، بل ضحية. ضحية الطائفة، والزعيم، والفساد، والحرب، والفقر، والنزوح، والهجرة... وثمّة نصوص نجحت بصورة مؤثّرة في نقل هذا الوجع اليومي؛ المواطن الذي يحتاج إلى واسطة ليعمل، وإلى طائفة تحميه، وإلى زعيم يفتح له بابًا، وإلى جواز سفر كي يهرب من وطنه.

في إحدى أقوى الصور التي يقدمها الكتاب، يصبح الوطن مجموعة «أوطان داخل الوطن». وهذه العبارة، بمعناها العميق، تلخّص مأساة لبنان. فحين يسأل الإنسان أولًا «من تكون؟» قبل أن يسأل «ماذا تستطيع؟»، نكون قد انتقلنا من المواطنة إلى الفرز. وحين يصبح الانتماء الطائفي أو الحزبي شرطًا للفرصة، يتحول المواطن من صاحب حق إلى طالب خدمة.

    من هنا، كانت بعض المقالات أكثر صدقًا عندما حمّلت اللبناني نفسه جزءًا من المسؤولية. فليس صحيحًا أن الخارج وحده صنع مأساتنا، ولا أن السياسيين وحدهم فعلوا ذلك. المواطن الذي يحتمي بطائفته، ويعيد انتخاب من يشتكي منهم، ويقبل بمنطق التخوين، ويبرّر السلاح حين يكون في مصلحة جماعته، ويرفضه حين يكون في مصلحة خصمه، هو أيضًا جزء من المشكلة.

    وهنا تبرز قيمة بعض النصوص التي رفضت «التطبيع مع الفشل»، ورفضت انتظار المنقذ، ودعت إلى إعادة بناء الإنسان قبل الحجر. هذه النصوص كانت من أكثر المقالات توازنًا؛ لأنها لم تقل أن الخلاص سيأتي من زعيم أو حزب أو قوة خارجية، بل أعادت السؤال إلى المواطن نفسه: ماذا نستطيع أن نفعل؟

    ومن أكثر الأفكار الإنسانية إشراقًا في الكتاب أن بعض التجارب المحلية تثبت أن لبنان الذي نحلم فيه ليس مستحيلًا. نموذج القرية التي احتضنت النازحين، ونموذج المدينة التي عاش فيها المسلم والمسيحي معًا، ونموذج اللقاء الذي لا يجمع الطوائف بل يجمع القلوب، كلها تقول أن المشكلة ليست في اللبنانيين أفرادًا بقدر ما هي في البنى السياسية التي تفصل بينهم وتعيد إنتاج خوفهم.

    وهنا يصبح الاغتراب اللبناني قصة أخرى من قصص الكتاب. فاللبناني الذي يغادر بلده لا يترك لبنان تمامًا؛ بل يأخذ لبنان معه. يأخذ لغته وذكرياته ومطبخه وأغانيه وأسماء قراه، ويعيد بناء وطن صغير في بلاد بعيدة. ولعل من أجمل الأفكار أن لبنان المهاجر قد يكون أحيانًا أكبر من لبنان المقيم، بما يملكه من طاقات وخبرات وأموال وعلاقات...  

     لكن الاغتراب ليس قصة نجاح وحسب. بل هو شهادة على فشل الداخل أيضًا. فحين يغادر الطبيب والمهندس والباحث والشاب، لا يمكن أن نكتفي بالقول إنهم سفراء للبنان في الخارج. يجب أن نسأل لماذا لم يجدوا وطنًا يستطيع أن يحتفظ بهم؟

    وهنا يتصل الاغتراب مباشرة بالدولة والسيادة والاستقرار. لا يمكن استعادة لبنان بأموال المغتربين وحدها، إذا بقيت البيئة السياسية طاردة، وإذا بقي المستثمر يخشى القانون، وإذا بقيت الحرب احتمالًا دائمًا، وإذا بقي قرار السلم والحرب خارج المؤسسات الرسمية.

    من أجمل ما يفعله الكتاب أنه لا يجعل لبنان مجرد بلد فاشل. فثمة أصوات ترفض هذا الحكم النهائي، وتبحث عن إمكانية النهوض من الوجع. وهذه الأصوات هي التي تمنح الكتاب شيئًا من التوازن أمام كمّ التشاؤم الذي يطغى على كثير من الصفحات.

    الحرب، في بعض النصوص، ليست مجرد حدث عسكري، بل فشل للعقل. والطائفية ليست مجرد انقسام سياسي، بل سلاح نفسي قد يكون أشد فتكًا من الصواريخ. والسيادة ليست علمًا على الحدود، بل سيادة للضمير على الأحقاد. وهذه أفكار جميلة حين تنجح في الانتقال من البلاغة إلى المعنى. لكن البلاغة نفسها كانت أحيانًا عبئًا على الكتاب.

    فعدد غير قليل من النصوص يعاني من الإطالة والتكرار وتضخم الجملة. ثمّة أفكار جميلة كان يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا لو قيلت في نصف المساحة. وثمّة مقالات يمكن حذف ثلثها أو نصفها من دون أن تخسر شيئًا، بل ربما تكسب كثيرًا. فالإطناب لا يصنع العمق، والتكرار لا يثبت الفكرة، وكثرة الاستعارات لا تجعل النص أكثر أدبية بالضرورة.

    في المقابل، ثمّة نصوص تمتاز بنظافة اللغة ووضوحها واقتصادها، وهي تؤكد أن المقالة الجيدة لا تحتاج إلى أن تتزين أكثر مما تحتمل. وبعض النصوص الفلسفية، رغم صعوبتها، تثبت امتلاك أصحابها أدوات فكرية حقيقية. وبعض المقالات الصحافية استطاعت أن تقدم أرقامًا وتواريخ وتحليلًا تاريخيًّا أكثر تماسكًا من النصوص التي غرقت في الإنشاء.

    وهذا التفاوت بين المقالات هو، في النهاية، جزء من طبيعة الكتب الجماعية. فمن الصعب أن تتساوى تسعٌ وعشرون تجربة في المستوى والأسلوب والرؤية. لكن ما كان يمكن تداركه هو العمل التحريري الذي يسبق الطباعة: اختصار المتكرر، تبسيط المعقد، تصحيح الأخطاء، ضبط العناوين، ومراجعة المعلومات والهوية البصرية للكتاب.

    فحتى التفاصيل الصغيرة لها دلالتها. عندما نجد اضطرابًا في عنوان الكتاب أو في بياناته، أو أخطاء لغوية وطباعية كان يمكن تلافيها بمراجعة واحدة، نشعر بأن الكتاب لم يحصل على العناية التي يستحقها. والكتاب الذي يتحدث عن الوطن، والسيادة، والهوية، والدولة، يحتاج في إخراجه إلى ما يشبه العناية التي يطالب بها في مضمونه.

    مع ذلك، سيكون من الظلم أن نختزل الكتاب في هذه الملاحظات.

     فالكتاب يضم أصواتًا حقيقية، وأفكارًا جديرة بالنقاش، وتجارب إنسانية مؤثرة، ومحاولات فكرية تتجاوز المقالات الصحافية العابرة. وفي بعض نصوصه، نجد ما يستحقّ أن يبقى بعد انتهاء القراءة: فكرة الوطن بوصفه إنسانًا، وفكرة الانتماء بوصفه مسؤولية، وفكرة التعايش بوصفه ممارسة، وفكرة الدولة بوصفها الضامن الوحيد للمساواة، وفكرة أن تكريم ضحايا الحرب لا يكون بإنتاج ضحايا جدد.

     لعل هذه الأخيرة تختصر جوهر الكتاب كله. فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تمجّد الموت، ولا إلى مزيد من الشعارات التي تقسم اللبنانيين إلى وطنيين وخونة، ولا إلى رواية واحدة للتاريخ تطلب من الجميع أن يصفقوا لها. لبنان يحتاج إلى أن يتحول الاختلاف من سبب للحرب إلى حق سياسي، وأن تتحول الطائفة من ملجأ أمني إلى انتماء ثقافي، وأن يتحول الحزب من بديل للدولة إلى جزء من الحياة السياسية، وأن يصبح السلاح شأنًا حصريًّا للمؤسسات الشرعية.

    ولا تعني الدولة القوية إلغاء التنوع اللبناني، بل العكس تمامًا. الدولة هي التي تجعل التنوع ممكنًا وآمنًا. أما حين يغيب القانون، فإن التنوع يتحول إلى خوف، والخوف يتحول إلى عصبية، والعصبية تتحول إلى سلاح، والسلاح يعيد إنتاج الخوف من جديد.

     وهنا يمكن أن نفهم لماذا تتكرر في الكتاب عبارات مثل «الوحدة الوطنية» و«العيش المشترك» و«المواطنة» و«السيادة»... فهي ليست مجرد مفردات سياسية، بل أعراض لحاجة عميقة في المجتمع اللبناني. نحن نكررها لأننا نفتقدها، ونبحث عنها لأن الواقع لا يقدمها لنا مكتملة.

    لكن الوطن لا يُبنى بتكرار الكلمات؛ الوطن يُبنى حين يصبح القانون أقوى من الزعيم، والمواطن أهم من الطائفة، والمؤسسة أقوى من الحزب، والجيش هو المرجعية الوحيدة للسلاح، والانتخابات وسيلة للمحاسبة لا لتجديد الزعامات، والتعليم طريقًا إلى المواطنة لا إلى إعادة إنتاج العصبية، والاقتصاد مساحة للإنتاج لا ساحة للنهب، والاغتراب جسرًا إلى الوطن لا طريقًا للهروب منه.

    من هذه الزاوية، تبدو المقالات التسع والعشرون، رغم تفاوتها، أنها تدور حول سؤال واحد وإن اختلفت في الإجابة عليه: هل ما زال بالإمكان إنقاذ لبنان؟

     والجواب الذي يمكن استخراجه من مجموع الكتاب هو أن الأمل موجود، لكنه ليس مجانيًّا. لا يكفي أن نحب لبنان، ولا أن نبكي عليه، ولا أن نستعيد أمجاده، ولا أن نلعن الخارج، ولا أن نحمّل الطوائف كلها مسؤولية متساوية، ولا أن ننتظر زعيمًا جديدًا أو منقذًا جديدًا. المطلوب مواجهة الحقيقة كاملة، حتى حين تكون مؤلمة.

    فالحقيقة أن لبنان لم يخرّبه عامل واحد، ولن ينقذه عامل واحد. هناك تاريخ طويل من الطائفية والمحاصصة والتدخل الخارجي والحروب والاحتلالات والفساد وسوء الإدارة، وهناك كذلك سلاح خارج الدولة جعل سؤال السيادة أكثر تعقيدًا، وكرّس في مراحل مختلفة منطق الدويلة داخل الدولة، وربط لبنان بصراعات تتجاوز حدوده وقدرته على الاحتمال.

    ومن غير مواجهة هذه الحقيقة، تبقى كل دعوة إلى «الوحدة» ناقصة، وكل حديث عن «السيادة» مبتورًا، وكل مشروع عن «الدولة» مؤجلًا.

    لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا نضع كل اللبنانيين في خانة واحدة. فبين صفحات الكتاب نماذج تقول أن لبنان لم يمت. فثمّة إنسان لا يزال يفتح بيته للنازح، وقرية لا تزال تعرف معنى الجيرة، ومغترب لا يزال يحمل وطنه في قلبه، وكاتب لا يزال يصرّ على الكتابة، وشاعر لا يزال يرى في لبنان مكانًا يستحقّ الحب، ومفكر لا يزال يبحث عن صيغة للخلاص.

    هذه هي القيمة الأجمل التي يمكن أن تخرج بها من الكتاب: لبنان لم يُهزم تمامًا ما دام فيه من يرفض أن يتحول الخراب إلى تكريس.

     قد يكون عنوان الكتاب نفسه، في البدء كان الوطن، بحاجة إلى أن نقرأه لا باعتباره عبارة عن ماضٍ مكتمل، بل باعتباره سؤالًا مفتوحًا. في البدء كان الوطن فكرة، ثم صار وطنًا، ثم صار دولة ناقصة، ثم تحول في مراحل كثيرة إلى ساحة لصراعات الآخرين، لكنه لم يفقد تمامًا قدرته على أن يبدأ من جديد.

    فالمشكلة ليست في أن نبحث عن لبنان الذي كان فقط، بل في أن نسأل أي لبنان نريد أن يكون؟

    لبنان الذي تحمله الذاكرة وحدها لن يكفي. ولبنان الشعارات لن يكفي. ولبنان "المقاومة" وحدها لن يكفي، كما أن لبنان الطائفية وحدها لا يمكن أن يستمر. المطلوب لبنان الدولة؛ الدولة التي لا تلغي "المقاومة" حين تكون "مقاومة" حقًّا، لكنها لا تسمح في الوقت نفسه لأي قوة بأن تتحول إلى بديل منها؛ الدولة التي تحمي حدودها بقرارها، وتحتكر السلاح باسم القانون، وتحاسب من يخطئ مهما كان اسمه أو طائفته أو حزبه؛ الدولة التي تجعل المواطن مواطنًا قبل أن يكون ابنًا لهذه الطائفة أو تلك المنطقة.

    حينئذٍ فقط يمكن أن يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية أكثر من أغنية، وعن السيادة أكثر من شعار، وعن المواطنة أكثر من مادة دستورية، وعن لبنان أكثر من وطن نحبه ونبكي عليه.

    فالكتاب، في النهاية، لا يقدم جوابًا واحدًا عن لبنان، وربما لم يكن مطلوبًا منه ذلك. لكنه يقدم مرآة متعددة الوجه: في واحدة نرى وطنًا جميلًا، وفي أخرى نرى وطنًا موجوعًا، وفي ثالثة نرى وطنًا مهاجرًا، وفي رابعة وطنًا مقسمًا، وفي خامسة وطنًا يبحث عن دولة، وفي سادسة نرى إنسانًا لا يزال يؤمن بأن الخلاص ممكن...

    وما بين هذه المرايا كلها، يبقى لبنان واقفًا أمام السؤال الأصعب، هل نريد وطنًا ننتمي إليه، أم جماعات ننتمي إليها؟

    ربما هنا تبدأ الحكاية من جديد!

    فإذا كان في البدء الوطن، فإن النهاية لا ينبغي أن تكون الخراب. وربما يكون المطلوب، بعد هذه السنوات كلها، ألا نسأل فقط أين ضاع لبنان؟ بل أن نبدأ بالسؤال الأكثر شجاعة كيف نعيده؟

     عندئذٍ، يصبح الوطن فعلًا لا نشيدًا، والدولة حقيقة لا أمنية، والوحدة ممارسة لا شعارًا، والمواطنة حقًّا لا منّة، ويصبح لبنان الذي ظل طوال عقود يبحث عن نفسه قادرًا، أخيرًا، على أن يجدها.