حازت حكومة الرئيس نواف سلام ثقة مجلس النواب للمرة الثالثة، بغالبية 68 نائباً مقابل 12 حجبوا الثقة وامتناع نائبين، بالتزامن مع تحركات فرنسية ودولية لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته. وفي باريس، ينعقد اليوم اجتماع تحضيري بمشاركة 17 دولة وعدد من المنظمات الدولية، فيما يتواصل الجدل الداخلي حول السلاح والحرب وملف انفجار مرفأ بيروت.


انتهت جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب، التي امتدت على مدى يومين، إلى تجديد الثقة بحكومة الرئيس نواف سلام للمرة الثالثة، بعدما نالت 68 صوتاً مقابل 12 صوتاً بحجب الثقة وامتناع نائبين. وجاء ذلك وسط مشهد سياسي داخلي متأزم، أظهر ثبات الحكومة وعجز معارضيها عن تغيير الغالبية النيابية المؤيدة لها أو إسقاطها.

وفي موازاة المشهد النيابي، تعود العوامل الخارجية المؤثرة في الأزمات اللبنانية إلى الواجهة، مع انعقاد الاجتماع التحضيري في باريس لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

ويعيد اجتماع باريس تسليط الضوء على تمسّك فرنسا بمواصلة دورها ومبادراتها تجاه لبنان، رغم المحاولات الرامية إلى تهميش دورها. وعلى الرغم من أن الاجتماع التحضيري لا يهدف إلى جمع المساعدات للجيش أو حشدها وبرمجتها، بل إلى إعداد خطة تفصيلية تحدد حاجاته الأساسية، فإن أبعاده السياسية والدبلوماسية والعسكرية تكتسب أهمية كبيرة، ولا سيما مع مشاركة الولايات المتحدة والسعودية بشخصيات عسكرية ودبلوماسية بارزة.

وبحسب ما أفادت به الرئاسة الفرنسية، تبدأ اجتماعات باريس بلقاءين ثنائيين بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكل من الرئيس اللبناني جوزف عون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، على أن يعقد بعد ذلك لقاء ثلاثي، قبل أن يفتتح الزعماء الثلاثة اجتماع قادة الأركان وممثلي الدول الـ17 المشاركة وعدد من المنظمات الدولية في قصر الإنفاليد.

وتأتي هذه اللقاءات في مرحلة مفصلية، إذ تتداخل فيها ثلاثة ملفات أساسية: تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتحديد مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" نهاية العام، إضافة إلى توفير الشروط الأمنية والسياسية لتثبيت الاستقرار على جانبي الحدود اللبنانية-الإسرائيلية.

والهدف الأساسي للاجتماع، وفق الرئاسة الفرنسية، هو وضع خطة واضحة وقابلة للتنفيذ لانتشار الجيش اللبناني، وتحديد احتياجاته في مجالات التدريب والتجهيز والتمويل والاستخبارات والمواكبة الدولية. وبالتالي، لا تريد باريس أن يكون الاجتماع مؤتمراً جديداً للتعهدات المالية، بل اجتماعاً تحضيرياً يضع الأسس التقنية والعسكرية لدعم الجيش خلال المرحلة المقبلة.

وكان الرئيس جوزف عون قد وصل أمس إلى باريس استعداداً للمشاركة في اجتماعات اليوم، وأعرب عن "تقديره العميق لفرنسا، رئيساً وحكومة وشعباً، على مواصلة دعمها للبنان ومؤسساته الدستورية والعسكرية والأمنية"، مؤكداً أن الشراكة التاريخية بين البلدين تكتسب اليوم أهمية استثنائية في ظل التحديات التي يواجهها لبنان.

وشدد عون على أن الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إلى جانب الأجهزة الأمنية الأخرى، يشكلون الضمانة الوحيدة لحماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه، مؤكداً أن تعزيز قدراتهم البشرية واللوجستية بات أولوية وطنية قصوى تتطلب تضافر جهود الدول الصديقة للبنان.

وأكد رئيس الجمهورية أن مشاركته في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي الذي تستضيفه فرنسا لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي تندرج في إطار التزام الدولة اللبنانية ببسط سلطتها وحصر السلاح بيد الشرعية، وبناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وصون استقرار المنطقة.

وعقب وصوله إلى باريس، زار عون العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في مقر إقامته، وشكره على الدعم الذي قدمه الأردن للجيش اللبناني، كما بحثا العلاقات الثنائية بين البلدين.

جلسة مناقشة الحكومة

في الداخل، اختُتمت مساء أمس جلسة مناقشة الحكومة بعدما تحدث فيها 59 نائباً، وشكلت مداخلات اليوم الثاني امتداداً سياسياً لليوم الأول، مع تسجيل جولات عدة من السجالات والمشادات، خصوصاً بين نواب "حزب الله" والنواب في الكتل المناهضة للحزب على خلفية موضوع السلاح والحرب.

وأظهر نواب الحزب مستوى مرتفعاً من التوتر، إذ اندلع خلال مداخلة النائب ميشال معوض سجال حاد بينه وبين نواب "حزب الله"، ولا سيما النائب إيهاب حمادة، قبل أن ينضم النائب زياد حواط إلى السجال. وتصاعدت حدة الكلام بعدما اتهم حمادة خصومه بالكذب، فرد حواط معتبراً أن الكلام يطال الجميع، وطالب نواب الحزب بوقف ما وصفه بـ"العنتريات"، ليتطور الأمر إلى تبادل اتهامات داخل القاعة، قبل أن تتدخل مداخلات نيابية حالت دون استمرار السجال.

واحتدم النقاش لاحقاً بين النائب وضاح الصادق والنائب حسين الحاج حسن، على خلفية كلام عن الجهة التي "تقدم الهدايا لإسرائيل". وتبادل الطرفان عبارات حادة واتهامات متبادلة بالعمالة، قبل أن يتدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري لحسم السجال. كما نشب سجال حاد للغاية بين النائبين حسين الحاج حسن وأشرف ريفي.

وفي ختام مداخلات النواب، رد رئيس الحكومة نواف سلام، مشدداً على العمل لتجنب خيبات الأمل من الحكومة. وتناول الاتفاق الإطار الثلاثي، مكرراً أنه اتفاق إطاري وليس اتفاقاً أو معاهدة بالمعنى القانوني، ونفى خروج لبنان عن القرارات الدولية أو عن ثوابته المعتمدة منذ عقود.

وقال سلام إن الحكومة تواصل توثيق الاعتداءات الإسرائيلية، وشدد على ضرورة بسط سلطة الدولة وحدها على الأراضي اللبنانية، بما يتيح حشد المزيد من الدعم العربي والدولي.

وأكد أن الحكومة ترفض أن يكون لبنان ساحة لصراعات المحاور، وترفض زج البلاد مجدداً في الحروب، ووضع حد لمنطق التبعية، كما استعرض المساعدات والاستجابة الإنسانية خلال الحرب، ورد على الانتقادات التي طاولت ملفات الكهرباء والاتصالات وغيرها، مشدداً على التزامات الحكومة.

وفي ختام الجلسة، قدم النائب جبران باسيل مداخلة طلب فيها طرح الثقة بالحكومة، فدعا بري إلى التصويت، لتنال الحكومة ثقة متجددة بغالبية 68 نائباً، مقابل 12 نائباً حجبوا الثقة وامتناع نائبين عن التصويت، وبذلك كرست الحكومة فوزها بالثقة للمرة الثالثة.

ملف مرفأ بيروت

وفي سياق داخلي آخر، ترددت معلومات عن اتجاه إلى توجيه اتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون في مطالعة النيابة العامة ضمن التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت.

وفي أول رد فعل له، كتب الرئيس السابق ميشال عون عبر حسابه على منصة "إكس": "احتراماً لدماء الشهداء، وصوناً للحقيقة والعدالة، تقدمت اليوم بشكوى جزائية بجرائم اختلاق الأضاليل والافتراء وإفشاء سرية التحقيق..."، وذلك على خلفية نشر أخبار تضمنت مزاعم بشأن مضمون مطالعة النائب العام التمييزي في قضية انفجار مرفأ بيروت.


المصدر : وكالات