تصعيد إسرائيلي يتوسع في جنوب لبنان.. النبطية تحت النار و"الخط الرمادي" يدخل المعادلة
18-09-2026 01:56 PM GMT+03:00
يشهد جنوب لبنان، ولا سيما قضاء النبطية، تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً متواصلاً، شمل غارات أوقعت عشرات الشهداء والجرحى، واستهداف مستشفيات ومؤسسات رسمية ومبانٍ سكنية، إلى جانب تجديد إنذارات الإخلاء للمدنيين وتوسيع العمليات إلى مناطق تقع بمحاذاة ما تسميه إسرائيل "الخط الأصفر" أو خارجه. ويأتي ذلك رغم الحديث عن خطة إسرائيلية للانسحاب من معظم الأراضي المحتلة والبقاء ضمن خط جديد يعرف بـ"الخط الرمادي"، بعمق يصل إلى أربعة كيلومترات، وفي ظل استمرار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية.
ورغم توقيع لبنان وإسرائيل اتفاق إطار في واشنطن في 26 يونيو/حزيران الماضي، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإن تفاوتت وتيرتها، فيما تزامن التصعيد في مراحل عدة مع جولات التفاوض، ومنها الجولة التي عقدت في روما بين 4 و6 أغسطس/آب الماضي، في وقت يتقاطع فيه الملف اللبناني مع تطورات المسار الإيراني الأميركي.
وتيرة تصاعدية للاعتداءات
بدأت العمليات العسكرية الإسرائيلية تتخذ منحى تصاعدياً شبه يومي منذ أغسطس/آب الماضي، بالتزامن مع الحديث عن معركة تلّة علي الطاهر في قضاء النبطية، ورفض إسرائيل الاتفاق على منطقة تجريبية ثانية، بعد ادعائها فشل المنطقة التجريبية الأولى التي أعلنت واشنطن عنها في 20 يوليو/تموز الماضي، وشملت زوطر الغربية وفرون وصريفا.
وأكدت إسرائيل في هذا السياق استمرار بقائها في المنطقة الأمنية ومواصلة اعتداءاتها إلى حين نزع سلاح حزب الله، في معادلة حظيت، وفق النص، بضوء أخضر أميركي، مع ربط مسؤولين أميركيين في أكثر من مناسبة استمرار العمليات الإسرائيلية بعدم حصر الدولة اللبنانية السلاح.
ومنذ أغسطس/آب الماضي، كثفت إسرائيل عملياتها خارج ما تسميه "الخط الأصفر"، وهو خط عازل وفاصل أطلقته إسرائيل ويضم عشرات القرى والبلدات التي تسيطر عليها، أو بمحاذاته. ففي 5 أغسطس/آب الماضي، وجهت إنذاراً بالإخلاء إلى سكان بلدة المنصوري في قضاء صور، وهي بلدة غير محتلة ومأهولة بالسكان، وشمل الإنذار مركزاً للجيش اللبناني. ومنذ ذلك الحين، تتعرض المنصوري لاعتداءات يومية تمنع الأهالي من العودة إليها.
وكثفت إسرائيل كذلك غاراتها على أطراف بلدات كفرا وشقرا وتولين وبرعشيت وزبدين لجهة الوادي، وياطر وحاريص والحنية والغندورية وفرون، لناحية الأطراف المتصلة بوادي الحجير، إضافة إلى بيت ياحون وأطراف النبطية وكفررمان وزوطر الشرقية وعربصاليم وغيرها.
وطاولت الاستهدافات في أوقات سابقة البرج الشمالي ودير الزهراني وتبنين ومدينة النبطية، كما استهدفت، للمرة الأولى منذ اتفاق الإطار، ليل الجمعة الماضي منطقة عين التينة في البقاع الغربي.
وأسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية، أمس الاثنين، سقوط 27 شهيداً و69 جريحاً، بينهم أطفال ونساء ومسعفون، في حصيلة غير نهائية للاعتداءات الإسرائيلية خلال الأيام الثلاثة الماضية.
وارتفعت حصيلة الشهداء في المنزل المستهدف في كفررمان، فجر أمس الاثنين، إلى 11 شهيداً بعد وفاة ثلاثة من الجرحى، بينهم طفل وامرأتان. وأصبحت الحصيلة 11 شهيداً في المنزل المستهدف، بينهم طفلان وأربع نساء، إضافة إلى ثمانية جرحى، بينهم ثلاثة أطفال ومسعف في الهيئة الصحية الإسلامية التابعة لحزب الله.
وكانت غارة إسرائيلية على سيارة في البلدة نفسها أدت إلى استشهاد مسعف في كشافة الرسالة التابعة لحركة أمل، التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وإصابة مسعفين اثنين.
والأحد، أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية عن سقوط 11 شهيداً و26 جريحاً، في حصيلة نهائية توزعت على النحو الآتي: شهيدتان وستة جرحى، بينهم طفلتان، في عربصاليم؛ أربع جريحات في كفررمان؛ شهيدان وخمسة جرحى في موقف فخر الدين في النبطية الفوقا؛ ثمانية جرحى في حي الراهبات في النبطية، بينهم طفلة وامرأتان؛ جريحان، أحدهما طفل، في النبطية التحتا؛ سبعة شهداء وجريح في النبطية الفوقا.
أما السبت الماضي، فسقط جريح في زوطر الغربية.
وبالنسبة إلى حصيلة الجمعة والسبت، فقد سقط أربعة شهداء و32 جريحاً، توزعوا كالآتي: شهيد وثلاثة جرحى، بينهم امرأة، في النبطية؛ شهيدان في كفررمان بقضاء النبطية؛ شهيدة وتسعة جرحى، بينهم ثلاث نساء وطفلان، في ميفدون بقضاء النبطية؛ جريحان في النبطية الفوقا؛ جريح في الكفور بقضاء النبطية؛ 16 جريحاً، بينهم ثلاثة أطفال وأربع نساء وستة مسعفين، في الرمادية بقضاء صور؛ وجريح في عين التينة بالبقاع الغربي.
وبذلك تواصل إسرائيل توسيع نطاق تدميرها للقرى الجنوبية، ولا سيما في قضاء النبطية. وكانت مدينة النبطية نفسها، التي تضم ثقلاً اقتصادياً وإدارياً رسمياً، قد تعرضت لدمار واسع شمل أسواقها التجارية والتراثية ومدارسها ودوائرها الرسمية ومقارها المصرفية والصحية، إضافة إلى معالم وأحياء سكنية أخرى.
وبالتزامن مع التصعيد الذي ارتفع منسوبه بعد إعلان إسرائيل، الخميس الماضي، السيطرة العملياتية على تلّة علي الطاهر، برزت إشارة لهيئة البث الإسرائيلية "كان 11"، مساء السبت، إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتقليص قواته في جنوب لبنان، بعد تدمير أنفاق في منطقة علي الطاهر في قضاء النبطية.
ونقلت القناة عن مسؤولين أمنيين أن المؤسسة العسكرية أجرت أخيراً مناقشات بشأن إنشاء منطقة أمنية جديدة أقرب إلى الحدود الإسرائيلية، تُعرف بـ"الخط الرمادي"، حيث سيجري بناء ما وصفته القناة بـ"مواقع دفاعية لحماية المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود" مع لبنان.
وفي مقابل تسارع التطورات الميدانية، لا يزال الحراك الدبلوماسي والسياسي يشهد تباطؤاً، مع استمرار الغموض بشأن مصير الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة في روما، وسط جهود أميركية لعقدها هذا الشهر، من دون أن تترجم حتى الآن إلى إعلان عن موعد جديد للمباحثات.
وفي هذا الإطار، قالت مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد" إن لبنان يكثف اتصالاته الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، بهدف وقف الخروقات الإسرائيلية، وسط مخاوف من استمرار التصعيد العسكري، مشيرة إلى أن الحراك الأميركي مستمر لعقد جولة جديدة من المفاوضات.
وأضافت المصادر أن لبنان يعوّل أيضاً على تمسك الولايات المتحدة بالمسار التفاوضي، بعدما لعبت واشنطن دوراً أساسياً في دفع إسرائيل إلى طاولة التفاوض، رغم أنها لم تكن متحمسة لذلك، ولا تزال، بحسب المصادر، تضع العراقيل أمام المسار.
وأشارت إلى أنه، رغم التسريبات الإسرائيلية بشأن الانسحاب من بعض المناطق في جنوب لبنان، هناك خشية من مخطط إسرائيلي للبقاء لفترة طويلة وتحويل بعض المناطق إلى أماكن غير قابلة للحياة.
ولم تنفِ المصادر وجود انقسامات داخلية بشأن كيفية إدارة ملف التفاوض مع إسرائيل، مشيرة إلى أن هذه الخلافات وصلت إلى أعضاء الوفد اللبناني المفاوض، في وقت يعترض رئيس الوفد، السفير السابق سيمون كرم، على الممارسات الإسرائيلية، وبدأ يشكك في جدوى استمرار المفاوضات من دون خطوات إسرائيلية جدية.
وأكدت المصادر في المقابل وجود توافق على أن لا خيار أمام لبنان سوى التفاوض، وليس الحرب أو الخيار العسكري.
وفي قراءة لهذه التطورات، قال رئيس الوفد اللبناني السابق في ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، العميد المتقاعد في الجيش اللبناني بسام ياسين، لـ"العربي الجديد"، إن التصعيد كان متوقعاً ومفهوماً، معتبراً أن الضوء الأحمر الأميركي الذي كان قد أُعطي لإسرائيل قبل نحو شهرين لعدم توسيع عملياتها، بسبب الخشية من تأثيرها في المفاوضات الأميركية الإيرانية، بدأ يُرفع.
وأضاف ياسين أن توسيع الضربات أصبح ملحوظاً خلال الأسبوعين الماضيين، ولا سيما في اليومين الأخيرين، ليشمل مناطق بعيدة عن الخط الأصفر، مثل كفررمان وعربصاليم ودير الزهراني وغيرها.
وقال إن "الضوء الأحمر بدأ يصبح ضوءاً أصفر"، وقد يتحول إلى ضوء أخضر إذا تأكد عدم وجود مجال للتسوية مع الإيرانيين، وعندها، بحسب تقديره، قد تتجه إسرائيل إلى عملية واسعة لتدمير حزب الله ونزع سلاحه.
وتوقع ياسين أن يتوسع التصعيد في المرحلة المقبلة ليشمل المنطقة المحتلة وخارجها، وصولاً إلى بلدة سُجد ومرتفعات جبل الريحان في قضاء جزين، معتبراً أن ذلك يمثل المخطط الإسرائيلي الأساسي، وأن المؤشرات الحالية تدل على التصعيد وليس التسوية.
وأشار إلى أن المؤسسات الكبرى الموجودة في المناطق المحاذية للخط الأصفر أو الواقعة ضمنه تتعرض، بحسب قوله، لتدمير منهجي ومتعمّد، بما يشمل المراكز الصحية والمرافق الطبية والرسمية والقصور والفيلات، معتبراً أن الهدف هو التأثير في بيئة المقاومة، أي حزب الله، وممارسة ضغط داخلي عليها لتمرير مشروع نزع سلاح الحزب والإبقاء على الاحتلال في الجنوب.
ولفت ياسين إلى أن السيطرة على تلّة علي الطاهر تمثل، بحسب رؤيته، أساساً لحماية الوجود الإسرائيلي في قلعة الشقيف، وهي امتداد للتوجه نحو سُجد والريحان والسيطرة على مرتفعات إقليم التفاح وجبل الرفيع، وصولاً إلى الخط المتصل بالبقاع الغربي.
إسرائيل تسعى لنقل المعركة إلى داخل لبنان
وفي السياق نفسه، اعتبر ياسين أن "الخط الرمادي" هو المنطقة الاقتصادية الصناعية التي طرحها المبعوث الأميركي توم برّاك، وتمتد بعمق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، معتبراً أنها تغطية للمنطقة الأمنية المنزوعة السلاح والخالية من السكان.
وقال إن إسرائيل تحاول، وفق قراءته، القول إنها ستعود إلى المنطقة الرمادية شرط نزع سلاح حزب الله، متسائلاً عن الجهة التي ستتولى عملية نزع السلاح، في ظل قوله إن الدولة اللبنانية لا تملك القدرة على ذلك، فيما إسرائيل ليست قادرة حالياً على إنجاز المهمة نفسها.
وأضاف أن إسرائيل تريد البقاء في الجنوب ونقل الصراع، بحسب تقديره، من معركة إسرائيلية لبنانية إلى معركة داخل لبنان حول سلاح حزب الله، معتبراً أن "أغلب اللبنانيين يسيرون بهذه البروباغندا".
من جهته، قال الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية علي حمية لـ"العربي الجديد" إن الضربات الإسرائيلية في محيط تلّة علي الطاهر وعلى مستوى قضاء النبطية، بما في ذلك تلّة الدبشة ودوحة كفررمان والنبطية الفوقا، واستهداف المدنيين والمؤسسات الرسمية والمستشفيات في مدينة النبطية وأطرافها، تثبت، بحسب تقديره، أن التلّة لم تسقط وأن إسرائيل لا تعرف ما يجري داخلها أو طبيعة منشآتها العسكرية وقدرات حزب الله فيها.
ولفت حمية إلى أن حزب الله لم يعلّق حتى الساعة على ما حصل في التلّة أو ما يجري فيها، ما زاد، بحسب قوله، من غموض الموضوع.
وأشار إلى أن الخطاب الإسرائيلي يندرج في إطار الإعلان عن "سيطرة عملياتية" على التلّة، معتبراً أن هذا الإعلان يعني حصاراً لا احتلالاً، وهو ما يفسر، وفق قراءته، استمرار الضربات عليها.
وأضاف أن إسرائيل لم تثبت حتى الآن سقوط علي الطاهر، ولم تدخل مصورين إلى التلّة لتوثيق السيطرة عليها، كما فعلت، مثلاً، في قلعة الشقيف.
المصدر : وكالات








