زيارتهم للدامور كسرت الفتور و أحرقت الصدور
18-09-2026 04:09 PM GMT+03:00
فتور العلاقة بين الفلسطيني و الداموري يعود إلى أكثر من خمسين سنة مضت حيث دخلوا حينها على جثث أهلنا و مشوا على حطام بيوتنا… إنهم لواء الصاعقة الفلسطيني الذين إجتاحونا مع شريكهم لواء اليرموك السوري و الجيش السوري عامةً حينها بإعتراف حافظ الأسد خلال خطابه الشهير في جامعة دمشق شهر تمّوز ١٩٧٦ حين قال أنهم تلطّوا خلفهم و دخلوا لبنان تحت لباس الصاعقة الفلسطيني و في الدامور دخلوا سوياً شركاءً في أكبر مجزرة حصلت لمسيحيي الشرق و أصواتهم لا تزال تصدَح في آذان أهلنا الذين كل ما أخبرونا ذرفوا أغلى الدموع و أقساها عليهم و أهمها علينا إذ أنهم نقلوها لنا كي نحمل ذكراهم و دمائهم دوماً و نخبر الأجيال و التاريخ بما حصل لا لِحَمل الأحقاد بل كي نتعلّم كيف نثق و بمن نثق كي لا تتكرر مآسينا و أوجاعنا فكما يقول المثل الشعبي اللبناني القديم "الـ… بيمرق عالسطامة (أو السقاطة) مرّة"؛ يُستخدم المثل لمؤاخذة الشخص الذكي أو العاقل الذي يقع في نفس الخطأ أو الخديعة مرتين، وكأن لسان حال المثل يقول: "إذا كان الحيوان يتعلم من المرة الأولى، فكيف للإنسان العاقل أن يُلدغ من الجحر مرتين؟".
فالتجارب مع الفلسطيني غير مشجّعة فلا تزال المغاور و المراكز التابعة له في المنطقة موجودة و قد بقي السلاح فيها علنا من ١٩٧٦ إلى فترة لا تزيد عن بضعة أشهر مضت حيث تم الإعلان عن إخلائها من الفلسطيني و سلاحه و لم يصدر بعد بيان من قيادة الجيش لتأكيد نظافة المنطقة من سلاحهم و وجودهم غير الشرعي لذلك لا نريد أن نعيد التجربة التي لا زالت أليمة و هنا نكرر : "ليس أخطر من خطأٍ ارتُكب مرة، إلا الإصرار على ارتكابه مرةً أخرى بعد أن عُرفت عواقبه"
الموضوع هو زيارة سفير دولة فلسطين للدامور حيث أتت ظروف الزيارة إذا أمكن القَول مفاجِئة حقاً زرعت الريبة في نفوسنا نحن الداموريين حيث تفاجئنا على حين غِرَّة بصورة على شبكات التواصل تجمع بعض أعضاء البلديّة (لمن ترشحوا على لائحة وحدة الدامور) و بعض المخاتير مع وفد فلسطيني "طويل عريض" على درج البلدية مقابل ساحة شهداء الدامور و التمثال الرمزي لهم و بصورة ثانية يقدّم فيها رئيس تلك اللائحة (الذي يمثل ٥٥٪ من الأصوات الإنتخابية في الدامور) هدية للسفير الفلسطيني لزيارته الدامور و أعلن بعدها ببيان أصِفه شخصياً "بالساذج و الركيك" نشره على صفحة البلدية أعلن من خلاله استقباله السفير و وفد مرافق في البلدية و هنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: إن كانت الزيارة للبلدية لماذا لم يتم إبلاغ كلّ الأعضاء و تم إختصار الحضور بالرئيس المفترض للبلدية و من ترشح على لائحته فقط؟
و نفس البيان يقول الغفري أن الزيارة أتت تنفيذاً لتوجيهات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية؛ هنا نسأل لماذا تنطلي توجيهات أي فلسطيني على رغبات أي داموري؟
أيضاً في البيان ورد أن السفير حمل رسالة محبة و أخوّة و تسامح و هنا النقطة الوقحة المهمة أي تسامح؟ الجلاد لا يحق له أن يحاضر بالتسامح! موضوع التسامح يخصّ الضحيّة فقط.
نكمل ما ورد في البيان حسب الغفري نرى أن السفير عبّر عن إعتذار القيادة الفلسطينية عما شهدته الدامور من أحداث أليمة، يقول السفير "شهدته" يجب التوقف لإصلاح اللغط و الوقوف صمتاً للإحترام
الداموريون لم يشهدوا، الداموريون إستشهدوا
و تلك الأحداث الأليمة هي من صنع آباء و أجداد الزوار الجدد للدامور و نحن أبناء و أحفاد من إستشهد و من أُصبب و من تهجّر …
لا زال الأرمن ينتظرون الإعتراف بالمجزرة التي حصلت قبل ١٠٠ عام لإنصاف شهدائهم.
و لا نزال ننتظر الإعتراف الرسمي الفلسطيني بالمجزرة فزيارة مجاملة ليست إعتراف رسمي و رسالة اعتذار شفهي تم نقلها ببيان خجول و مقتضب صادر عن شخص بشكل منفرد لا تشكل نقطة مرجعية و لا نقطة إثبات.
في جميع أنظمة العالم تتم محاسبة الجلاد تعويضاً معنوياً للضحية يعني على سبيل المثال من يسرق يتم سجنه و تتم مطالبته بالتعويض على الضحية بالمسروقات إضافةً إلى العطل و الضرر و هذا ما حصل معي شخصياً حين حصلت على حكم بسجن سارقي و ها هو يقبع في سجن رومية كما حصلت على حكم بالتعويض على المسروقات أو أن يُسجن بدل المبلغ الذي يشكل قيمة المسروقات.
بالخلاصة بعد الإعتراف الرسمي بالمجزرة الذي نطالب به المفروض أن يحصل الإعتذار الرسمي و بعدها التعويض عن الأرض و عن الحجر و عن الضرر … لكن يا سادة "لا شيء يعَوّض الدمّ" لن يعيد لنا أحد أهلنا الذي هم اليوم بمرتبة قدّيسي الدامور في السماء.
"الماضي لا يعود من تلقاء نفسه؛ نحن من نستدعيه حين نكرر أخطاء" و كان يجب أن لا نستدعيه و لا أن ندعه يستدعينا و أن نتعلّم منه فالفلسطيني الذي يتذاكى اليوم و يزور رؤساء بلديات يقتصر دورها و صلاحياتها على الإنماء لا على المصالحات لم ينسى و لا يزال يلوم الدكتور يوسف هيكل الذي وقّع وعد بلفور من أكثر من مئة عام يوم كان رئيس بلديّة يافا. هذا التوقيع كلّف حتى يومنا هذا مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء و الشهداء من الطرفَين.
و للفلسطيني نقول: "لا نريد أن نعيش على الأحقاد و على ذكرى الدمّ" الفرنسي و الألماني تصالحا و أصبحا حلفاء، الياباني و الأميركي تصالحا و طويا صفحة الماضي، الإيراني و العراقي تصالحا بعد حروبهم الدامية الطويلة و المكلفة، اللبنانيون تصالحوا و لعل مصالحة الجبل التي قادها البطريرك الكاردينال صفير سنة ٢٠٠١ لا تزال راسخة في ذاكرتنا الجماعية جميعاً كما ترسخ في نفس الذاكرة مجزرة الدامور؛ لا يمكن أن يمر ما فعله آبائكم و أجدادكم مرور الكرام. للمصالحات أصول و لأولياء الدم الإحترام، و للمهجرين الذين خسروا أرزاقهم إجلال، و للداموريين الوقار و رد الإعتبار. الذي أصاب آلاف لا يمكن إختصاره بزيارة و هدية شخصية فالإتزان و مراجعة ما حصل و التقدم بالإتجاه الصحيح هو خطوة مباركة و يد كل داموري ممدودة بالحقّ و إحترام هيَبة الضحايا و أرواحهم."
يقول مارك توين: «التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه غالباً ما يتناغم.»
الداموريون الذين أتواصل معهم يومياً و أكتب المقال لنقل وجعهم و توصياتهم لا يريدون بأي شكل أن يعيد التاريخ نفسه و لا أن يتناغم كما قال مارك توين بأي شكل من الأشكال، يريدون فقط أن يعيشوا و أولادهم بسلام و الأهم يريدون أن يرقد أمواتهم بسلام…
المصدر : Transparency.news








