وسط تصعيد إسرائيلي متواصل في الجنوب وضبابية تحيط بمستقبل اليونيفيل، يتحرك لبنان دبلوماسياً عبر نيويورك وواشنطن بحثاً عن ترتيبات تمنع الفراغ الأمني وتدفع نحو تنفيذ اتفاق الإطار. ويتزامن ذلك مع ضغوط اقتصادية متزايدة، فيما يستمر البحث عن صيغة دولية للمرحلة المقبلة، بالتوازي مع ارتفاع منسوب التوتر الإقليمي.


تتجه الأنظار إلى تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد على عجل إلى البيت الأبيض وسط ارتفاع لهجة التصعيد العسكري، بالتزامن مع إبقائه الباب مفتوحاً أمام لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك. وفي المقابل، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحركاته في الضفة الغربية وسط تهديدات وتصريحات تصعيدية. أما لبنان، فينتظر نتائج التحرك الدبلوماسي لرئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك وواشنطن، فيما يستمر التصعيد الإسرائيلي جنوباً وتتفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية داخلياً.

وبينما ينتظر لبنان حلولاً لمعالجة تداعيات الاحتلال الإسرائيلي، تتوزع الرهانات بين الولايات المتحدة وفرنسا وأوروبا ومجلس الأمن الدولي، فيما لم يطرأ حتى الآن تبدل واضح على المشهد، بانتظار ما ستسفر عنه لقاءات سلام خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ثم لقاءاته في واشنطن مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومسؤولين أميركيين، إضافة إلى المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا. وكان قد تأكد أن سلام سيشارك في أعمال الجمعية العامة ويلتقي عدداً من المسؤولين الدوليين قبل انتقاله إلى واشنطن.

وفي موازاة ذلك، يستمر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، فيما يواجه اللبنانيون ارتفاعاً في تكاليف المعيشة، ولا سيما أسعار الخبز والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية، وسط انتقادات لغياب حلول حكومية حتى الآن.

وسيبحث سلام في نيويورك وواشنطن مسار تنفيذ اتفاق الإطار، والمناطق التجريبية، ومرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوات اليونيفيل، إضافة إلى الملفات الاقتصادية والمالية. وبحسب ما تردد، سيقترح لبنان تمديد مهمة اليونيفيل لمدة سنة أو ثلاث سنوات، مع تقليص عديدها وتعديل مهامها من قوة ذات طابع عسكري إلى قوة مراقبة ودعم للجيش اللبناني. ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه اليونيفيل لإنهاء عملياتها بنهاية عام 2026، وسط بحث دولي في ترتيبات المرحلة الانتقالية وما بعدها.

وفي السياق الجنوبي، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً.

من جهته، أفاد المراسل العسكري للقناة 13 الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي يقيم جسوراً فوق نهر الليطاني ويشق طرقاً عسكرية، في إطار استعداده للبقاء فترة طويلة في لبنان.

وفي وقت يبحث فيه لبنان عن حلول لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن قوات اليونيفيل أدت دوراً إيجابياً للغاية في لبنان. وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في بياناتها الأخيرة استمرار دور القوة في دعم المجتمعات الجنوبية وتسهيل المساعدات الإنسانية، فيما شددت على أهمية الانتقال المنظم قبل انتهاء المهمة.

وأكدت مصادر سياسية مطلعة لـ«اللواء» أن الحراك الهادف إلى التوصل إلى صيغة لإنشاء قوة بديلة عن اليونيفيل لم يصل إلى نتيجة، وأنه لا توجد في الوقت الراهن صورة واضحة حول هذا الموضوع، ما يعني، بحسب المصادر، أن حالة الضبابية لا تصب في مصلحة لبنان.

وقالت المصادر إن لبنان الرسمي أعلن رفضه لأي فراغ أمني في الجنوب، وهو ما ورد أيضاً في مواقف رئيس الجمهورية، الذي يُتوقع أن يستأنف مجموعة من الاتصالات بهدف التوصل إلى صيغة تضمن وجود قوة تملأ هذا الفراغ، من دون أن تكون هويتها قد حُسمت حتى الآن. ومن هنا يتركز البحث، بحسب المصادر، على إجراء اتصالات مع الولايات المتحدة الأميركية للمساعدة في هذا السياق.

وجدد وزير الخارجية يوسف رجي إدانة الهجمات على المملكة العربية السعودية.

وأكد رجي أن أهمية المفاوضات تكمن في أنها تجري بقرار من الحكومة اللبنانية، مشيراً إلى أن المطلوب من إسرائيل أكثر مما هو مطلوب من لبنان.

واعتبر أن المفاوضات حققت إطلاق بعض الأسرى ووقف الاعتداءات على بيروت والمرافق الحيوية، مؤكداً أن هذا المسار طويل. وقال: «من لديه خيار آخر غير التفاوض فليقدمه»، معتبراً أن الخيار العسكري أدى إلى إعادة الاحتلال وسقوط آلاف الشهداء والتدمير.

في المقابل، قال سياسي لبناني إن إيران وقوى المحور رفعت مستوى الجهوزية، بحيث بات أي تطور في اليمن أو إيران أو العراق مرشحاً للارتداد مباشرة على لبنان، ما يجعل احتمال دخول حزب الله مجدداً في الحرب احتمالاً جدياً.

لكن، وفق السياسي نفسه، فإن مقاربة المشهد بحذر تظهر أن هامش الانتظار قد لا يبقى مفتوحاً طويلاً أمام الحزب، الذي بات أمام لحظة حاسمة قد تنهي عملياً مرحلة «الصمت الاستراتيجي» وتدفعه إلى الدخول في المواجهة.

وفي المواقف السياسية، قال البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، في عظة الأحد، إن حصرية السلاح تدخل في صلب مفهوم الدولة، مشيراً إلى أن حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الشرعية، وأن الجنوب ليس ورقة تفاوض، بل أرض لبنانية وأهله مواطنون لهم حق الأمن والاستقرار والعودة إلى قراهم.

وفي سياق دبلوماسي، أفيد بشكل غير رسمي بتعيين السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية والمشرف على إدارة الدبلوماسية العامة، سفيراً لجمهورية مصر العربية لدى لبنان، خلفاً للسفير علاء موسى.

وبحسب المعلومات، يغادر موسى لبنان نهاية الشهر الجاري، على أن يصل خلاف إلى بيروت في 7 تشرين الأول المقبل لتسلّم مهامه رسمياً.

مالياً، وفي ختام زيارة إلى بيروت امتدت من 15 إلى 18 أيلول 2026، قال رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان أرنستو راميريز ريغو إن النزاع بين «حزب الله» وإسرائيل والتطورات الأمنية الإقليمية ألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد اللبناني والأوضاع المعيشية.

وأضاف أن النشاط الاقتصادي من المتوقع أن ينكمش بشكل ملحوظ في عام 2026، فيما لا يزال التضخم في خانة العشرات، واتسع عجز الحساب الجاري، مدفوعاً بصورة رئيسية بارتفاع تكاليف الطاقة. كما أشار إلى أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية والمساكن، وإلى موجات نزوح داخلي واسعة النطاق، مع تدهور كبير في مستويات معيشة النازحين.

وفي ظل هذه الظروف، أثنت بعثة الصندوق على السلطات اللبنانية لتمكنها من الحفاظ على قدر من الاستقرار، بما في ذلك مواصلة اتباع سياسات مالية ونقدية حذرة. وحذرت البعثة في الوقت نفسه من أي زيادات إضافية في الرواتب أو المعاشات التقاعدية بصورة استنسابية، ومن دون إجراءات مقابلة لزيادة الإيرادات، وأوصت بأن تتم دراسة أي إجراءات من هذا النوع حصراً ضمن إطار مالي شامل.

وفي ملف الطعن في قانون العفو العام، وما أدى إليه من الحؤول دون تنفيذه، سُجلت بعد ظهر أمس وقفة احتجاجية واسعة في ساحة عبد الحميد كرامي «ساحة النور» في طرابلس.

وشارك في الاعتصام قيادات طرابلسية نيابية وسياسية وحزبية واجتماعية وشعبية، إلى جانب حشد من أبناء مناطق التبانة والقبة والزاهرية وأبي سمراء والحدادين والأسواق الداخلية والبداوي، إضافة إلى مشاركين من مناطق أخرى في الكورة وعكار والضنية.

وأُغلقت الساحة من مختلف الاتجاهات، بالتزامن مع رفع مطالب تدعو إلى وضع قانون العفو العام موضع التنفيذ وإنصاف السجناء والموقوفين وعائلاتهم.

وحمّل المحتجون رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وكتلته النيابية مسؤولية تعليق العمل بالقانون، مطالبين النواب بمقاطعة اللجان النيابية وعدم الاكتفاء بالكلام، واتخاذ خطوات فعلية في هذا الملف.

ميدانياً، توسعت عمليات التفجير الإسرائيلية للمنازل من المنصوري في قضاء صور إلى برعشيت في قضاء بنت جبيل.

وفي خرق جديد لتفاهم وقف إطلاق النار، توغلت صباح أمس قوة إسرائيلية تضم ثلاث دبابات «ميركافا» باتجاه بلدة دير ميماس، حيث أغلقت مدخل البلدة وعرقلت حركة دخول الأهالي وخروجهم لفترة من الوقت. كما فتشت القوة عدداً من المنازل وحطمت أعمدة هاتف على جانبي الطريق، قبل أن تستكمل تحركاتها في المنطقة.

ويأتي هذا التوغل في سياق الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للحدود ولتفاهم وقف إطلاق النار.

وميدانياً أيضاً، نفذت القوات الإسرائيلية تفجيراً في بلدة طيرحرفا، فيما تعرضت بلدة مجدل زون لسلسلة تفجيرات بالتزامن مع عملية تمشيط في المنطقة. كما أفيد عن انفجار ضخم في كفرتبنيت هز قرى مرجعيون، فيما نُفذت تفجيرات متتالية منذ منتصف الليل في المنصوري وأطراف بيوت السياد وزوطر الشرقية.

وكانت القوات الإسرائيلية قد قصفت فجر أمس القنطرة والنبطية الفوقا ومحيط ميفدون وزوطر الشرقية ووادي السلوقي ووادي الحجير. كما تعرضت أطراف بلدة حداثا، لجهة بلدة حاريص في قضاء بنت جبيل، لسقوط أربع قذائف مدفعية من عيار 240 ملم.

واستهدف القصف المدفعي بلدة بيت ياحون لجهة برعشيت، كما طال حرج بلدة عيتا الجبل في قضاء بنت جبيل، فيما أحرقت القوات الإسرائيلية البساتين في بلدة بيوت السياد.

وظهراً، استهدف القصف المنصوري وأطراف زوطر الشرقية وميفدون، وبعد الظهر طال وادي زبقين ويحمر الشقيف ومحيط حداثا وحاريص، ثم الخيام وبني حيان. كما شن الطيران الإسرائيلي غارات على بني حيان والقنطرة، ونفذ عمليات تفجير في بيت ياحون ووادي السلوقي جهة ميس الجبل.

وقرابة السادسة مساءً، سُجل تفجير إسرائيلي بين بلدتي برعشيت وعيترون، بالتزامن مع غارات على تلال علي الطاهر والمنصوري ووادي السلوقي.

وعند منتصف الليل، استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي أطراف بلدة زوطر الشرقية لجهة ميفدون، فيما تعرض وادي السلوقي لقصف مدفعي استمر أكثر من ساعة ونصف. كذلك شهدت المنصوري وأطراف بيوت السياد تفجيرات متتالية منذ منتصف الليل.

وكانت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، إيلا واوية، قد زعمت يوم السبت، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، أن عبوة ناسفة انفجرت بآلية هندسية تابعة للقوات الإسرائيلية داخل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، أسفر الانفجار عن إصابة جنديين بجروح طفيفة، نُقلا على إثرها لتلقي العلاج. واتهم الجيش الإسرائيلي حزب الله بزرع العبوة، معلناً أنه شن، رداً على الحادث، غارات استهدفت عدداً من المواقع والبنى التحتية التابعة للحزب في مناطق عدة من جنوب لبنان.

ووفق البيان الإسرائيلي، شملت الأهداف مواقع استطلاع ومنشآت قال الجيش إنها استُخدمت للتحضير لعمليات ضد قواته. وأكد الجيش الإسرائيلي استمرار انتشار قواته داخل ما يصفه بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، مشيراً إلى أنه سيواصل عملياته ضد ما يعتبره تهديدات لقواته ولسكان إسرائيل.


المصدر : وكالات