بين قاسم والميدان مسافة
22-09-2026 02:53 PM GMT+03:00
يبدو أن حزب الله لم يعد يخوض معركته مع إسرائيل على الأرض فقط، بل يخوض معركة أخرى مع الواقع نفسه. فبعدما أقرّ أمينه العام الشيخ نعيم قاسم بانعدام التكافؤ العسكري مع إسرائيل، عاد ليؤكد أن الحزب ماضٍ في خيار المقاومة مهما طال أمد الحرب ومهما بلغت التضحيات.
المفارقة أن الاعتراف بالهزيمة في ميزان القوة لم يدفع إلى مراجعة الحسابات، بل إلى مزيد من التمسك بها. وكأن ما عجز السلاح عن تحقيقه يمكن أن تحققه الكلمات، وما لا تسمح به موازين القوى يمكن أن تصنعه الشعارات.
قاسم يتحدث عن الإيمان والحق والأرض والصمود، فيما الحرب لا تُدار بهذه المفردات وحدها. فالميدان لا يسأل من صاحب الحق، بل من يملك القدرة على فرض شروطه. والوقائع لا تتبدّل لأن خطاباً سياسياً قرر أن يضعها في خانة "الانتصار".
منذ 7 تشرين الأول تبدّلت قواعد المواجهة، وتغيّرت العقيدة القتالية الإسرائيلية، واتسعت الفجوة في الإمكانات بصورة لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، لا يزال خطاب الحزب أسير معادلات مرحلة مختلفة، كأن شيئاً لم يتغيّر، وكأن إسرائيل نفسها التي واجهها الحزب قبل عقود ما زالت هي إسرائيل اليوم.
والأشدّ إيلاماً أن كل ذلك يحصل فيما الجنوب يقدّم الإجابة الأكثر وضوحاً. فهناك، لا تنفع المعادلات النظرية، ولا يكفي الحديث عن الصمود، ولا يمكن تحويل كل ضربة إلى انتصار بمجرد تغيير المفردات.
لقد بات واضحاً أن السلاح الذي قيل إنه وُجد لحماية الأرض لم يمنع الحرب عنها، وأن التمسك به تحت عنوان "المقاومة" لا يقدّم للبنانيين تفسيراً مقنعاً عن كيفية الخروج من هذه الدائرة. والأسوأ أن الإصرار على الخيار نفسه، رغم تبدّل الظروف، قد يحوّل السلاح من ورقة قوة إلى عامل يطيل أمد الحرب ويزيد كلفة لبنان.
المشكلة ليست في أن يختلف الحزب مع خصومه السياسيين حول المقاومة، بل في أن يبقى أسير رواية واحدة لا تعترف إلا بما يخدمها. فإذا صمد الحزب فهو انتصر، وإذا خسر فهو صمد، وإذا طال أمد الحرب فهو صابر، وإذا ارتفعت التضحيات فهي ثمن "الحق". وفي كل الحالات، تبقى النتيجة جاهزة قبل أن تبدأ الأسئلة.
لكن لبنان ليس ساحة مفتوحة لتجارب الشعارات. واللبنانيون ليسوا أرقاماً في معادلة الصمود. وما لم يدركه خطاب الحزب بعد هو أن السياسة تبدأ حين تنتهي اللغة التعبوية، وأن حماية الأرض لا تكون بتحويلها إلى ساحة دائمة للحرب.
فإذا كان ميزان القوى مختلاً إلى هذا الحد، وإذا كان الحزب نفسه يعترف بذلك، فالسؤال لم يعد كيف نواصل القتال، بل إلى متى سيبقى الإصرار على القتال مقدّماً على قراءة الواقع؟
فالميدان لا يكذب، والوقائع لا تجامل، والشعارات مهما ارتفع سقفها لا تستطيع أن تغيّر ميزان القوة. ومن يرفض رؤية ذلك، لا يغيّر الواقع... بل يطيل دفع ثمنه.
المصدر : Transparency News








