لبنان أمام أسبوع حاسم.. ماذا يجري خلف الكواليس؟
23-09-2026 12:39 PM GMT+03:00
يتأرجح الوضع اللبناني على أكثر من خط سياسي وأمني واجتماعي، في وقت يسعى رئيس الحكومة نواف سلام، من نيويورك وواشنطن، إلى بلورة تسويات تحافظ على الاستقرار وتفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار، فيما يواصل الداخل مواجهة تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب والضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، وسط تحذيرات من تحركات نقابية وإضراب شامل الأسبوع المقبل، بالتزامن مع ترقب ما قد تتضمنه موازنة 2027 من قرارات. ويأتي ذلك على وقع التصعيد الإقليمي والدولي والمخاوف من اتساع رقعة المواجهات وانعكاساتها على لبنان، ما يضع البلاد أمام مرحلة دقيقة ومفتوحة على احتمالات عدة.
وفيما شكّل الوضع في الجنوب محوراً أساسياً في الموقف اللبناني خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، جدد رئيس الحكومة مطالبة لبنان بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، واستمرار عمل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بما ينسجم مع القرارات الدولية ذات الصلة، وذلك خلال لقاءاته في اليوم الثاني من زيارته، والتي شملت الأمين العام للأمم المتحدة وملك الأردن. وكشفت مصادر وزارية أن العمل جارٍ على صيغة وسطية تقضي بالتمديد لقوات «اليونيفيل» لمدة ستة أشهر، تفادياً للفراغ الأمني وإفساحاً في المجال أمام الاتفاق على بديل.
ويتوقع أن يلبي سلام وعقيلته دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حفل الاستقبال الذي يقيمه الليلة في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قد تتاح لرئيس الحكومة فرصة إجراء «دردشة عالواقف» مع الرئيس الأميركي خلال الصورة التذكارية.
وفي السياق، توقعت المصادر أن يرأس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جلسة لمجلس الأمن الدولي لبحث ملف الشرق الأوسط، ومن ضمنه لبنان، حيث يُنتظر أن يتناول في موقفه مسألة «اليونيفيل» والقوة البديلة المقترحة، بعدما تسلمت الأمم المتحدة رسالة لبنانية رسمية تطالب بتمديد المهمة الدولية، في خطوة تعكس تمسك بيروت باستمرار الدور الذي تؤديه القوات الدولية في الجنوب خلال المرحلة الانتقالية.
ويأتي ذلك وسط ترقب لما قد تحمله المداولات من توجهات بشأن مستقبل المهمة وآلية عملها وحدود ولايتها، ولا سيما في ظل النقاش المتزايد حول طبيعة أي ترتيبات أمنية جديدة بعد انتهاء الولاية الحالية. كما تتكثف الاتصالات الدولية في نيويورك والعواصم المعنية بالملف اللبناني سعياً إلى بلورة صيغة تحظى بأوسع توافق ممكن، فيما يبقى الموقفان الأميركي والإسرائيلي عاملاً أساسياً في تحديد شكل المرحلة المقبلة، بالتوازي مع مساعي باريس للحفاظ على دور أوروبي فاعل في أي ترتيبات تتصل بأمن الجنوب والاستقرار اللبناني.
وكانت تركيا دخلت على خط البحث في مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، مع إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحاجة إلى مبادرة دولية تحل محل «اليونيفيل»، خلال لقائه رئيس الحكومة في نيويورك. وفتح هذا الموقف باباً سياسياً جديداً، من دون أن يتضمن، وفق المعلومات، عرضاً تركياً متكاملاً لنشر قوة بديلة، وهو ما قرأت فيه أوساط دبلوماسية «استعداداً للمشاركة في النقاش حول المرحلة المقبلة، أما تحويله إلى ترتيب أمني فيحتاج إلى أجوبة لم تظهر بعد».
كما تطرق الاجتماع إلى متابعة ملفات التعاون في الطاقة والبنية التحتية بين البلدين، بما فيها الربط الكهربائي والسككي بين تركيا وسوريا ولبنان، إضافة إلى إمكان تقديم مساكن مسبقة الصنع ودعم التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب.
وفي غضون ذلك، يتوقع أن يواصل سلام زيارته إلى الولايات المتحدة، في محطتها الثانية في واشنطن، حيث يعقد سلسلة لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو. وأشارت المصادر إلى أن رئيس الحكومة سيوضح بعض المواقف الملتبسة التي صدرت أخيراً عن بيروت، وقرأت فيها أوساط في الخارجية الأميركية «تكويعة» أو إقراراً بفشل اتفاق الإطار، بما قد يُستخدم لتبرير التراجع عن بعض الالتزامات، خصوصاً أنها جاءت بعد مؤتمر باريس التحضيري الذي أظهر إصرار السلطة اللبنانية على الحصول على المساعدات كمدخل للقيام بواجباتها.
وفي هذا الإطار، أشارت المصادر إلى أن الإدارة الأميركية لن تبقي مسارات المساعدات السياسية والعسكرية والمالية منفصلة عن بعضها، موضحة أن واشنطن تريد من بيروت تقدماً في ملف السلاح، لكنها تريد أيضاً معرفة من سيتحمل خسائر النظام المالي وكيف ستُعاد الودائع. وبرز ذلك، بحسب المصادر، في لقاء سلام مع السيناتورة الأميركية جين شاهين، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بحضور سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، حيث ربطت شاهين المسار الأمني بالمسار المالي، مشددة على ضرورة مواصلة حصر السلاح بيد الدولة، وإقرار مجلس النواب قانون الفجوة المالية، والمضي في الإصلاحات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وفي موازاة ذلك، علم أن رئيس الحكومة قد يشارك في أعمال المؤتمر الاقتصادي الذي تحدث عنه السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في حال سمحت ظروف الوقت، في وقت لا تزال تفاصيل جدول أعمال المؤتمر وموعد انعقاده النهائي غير واضحة بشكل كامل. ومن المقرر أن يشارك فيه عدد من الدول والجهات والمؤسسات الدولية، إلى جانب رجال أعمال ومستثمرين أميركيين من أصول لبنانية، إضافة إلى عيسى، فيما لم تُحسم بعد إمكانية مشاركة عدد من الوزراء اللبنانيين، كلٌّ في إطار اختصاصه.
وأكدت مصادر وزارية أن لبنان يعلق آمالاً كبيرة على المؤتمر، الذي يشكل فرصة لعرض واقعه الاقتصادي والمالي وشرح احتياجاته للمرحلة المقبلة، ولا سيما على صعيد دعم مسار التعافي والنهوض الاقتصادي وحشد التمويل اللازم لإعادة الإعمار. وأشارت إلى أن خطة بيروت تقوم على ربط ملف الدعم الاقتصادي بالوضع الأمني والسياسي في الجنوب، من خلال طرح الحاجة إلى تثبيت الاستقرار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال، بما يتيح للدولة اللبنانية استكمال بسط سلطتها وتعزيز حضور الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية.
وفي ملف الجنوب أيضاً، تتجه الأنظار إلى كلمة الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، في ذكرى الأمينين العامين السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين في 27 الجاري، والتي وصفها متابعون بالمهمة. وفي هذا السياق، تخوفت مصادر مواكبة لاجتماعات روما من اتجاه إسرائيلي إلى اعتماد تعريف مختلف عن التعريف اللبناني للمناطق التجريبية، استناداً إلى إشكال دير ميماس، إذ تريد بيروت أن تكون هذه المناطق مساحات يتقدم فيها الجيش اللبناني وتنسحب منها القوات الإسرائيلية تدريجياً، بينما تبدو تل أبيب معنية أولاً بضمان بيئة أمنية تعتبرها خالية من أي تهديد، قبل السماح بتوسيع الانتشار اللبناني.
ورأت المصادر أن خطورة الاتهامات الإسرائيلية المتكررة للجيش اللبناني وقيادته بالتساهل مع «حزب الله»، والتي ترفضها بيروت، لا تبدو في الحساب السياسي الإسرائيلي مجرد ملاحظات على الأداء العسكري، بل يمكن أن تتحول إلى أداة تفاوضية لإبقاء القرار الميداني الإسرائيلي قائماً جنوباً، مستفيدة من الموقف اللبناني المبدئي لجهة أن تنفيذ الجيش لمهمته بصورة كاملة يصبح مستحيلاً في حال بقيت إسرائيل محتفظة بمواقع داخل الأراضي اللبنانية وتنفذ عمليات عسكرية.
وفي الملفات السياسية الداخلية، وتعليقاً على الكلام المتداول عن إمكان تغيير عدد من الوزراء، أكدت أوساط سياسية أن المشكلة لا تكمن في شخص الوزراء أو أدائهم الفردي، بل في نهج الحكومة ككل وطريقة إدارتها للملفات واتخاذها القرارات. وأشارت إلى أن تبديل الوجوه لن يؤدي إلى تغيير جوهري إذا بقيت الآليات نفسها معتمدة، لافتة إلى هيمنة «الدولة العميقة» على مسار بعض القرارات، وإلى وجود أسلوب عمل بات يحتاج إلى مراجعة سياسية وإدارية شاملة. وأضافت أن أي تغيير شكلي في التركيبة الوزارية، من دون تعديل النهج وآليات العمل، لن يحقق النتائج المرجوة ولن يعالج أصل المشكلة.
ومن جهتها، تجزم مصادر معراب بأنه في حال تقرر أن تكون هناك استقالة «قواتية» من الحكومة، فلن تكون جزئية أو محصورة بوزير واحد، بل ستشمل جميع الوزراء المحسوبين عليها، لأن الأمر سيكون مرتبطاً بنهج الحكومة وآلية عملها وطبيعة القرارات التي تتخذها في الملفات الأساسية. وأكدت أن أي خطوة من هذا النوع لن تكون مرتبطة بخلاف حول حقيبة أو وزير بعينه، أو بتباين ظرفي حول بند من بنود جدول الأعمال، بل برسالة سياسية متكاملة حيال مسار العمل الحكومي والمرحلة المقبلة. وأشارت إلى أن تقييم الموقف سيأخذ في الاعتبار أداء الحكومة في الملفات المطروحة ومدى قدرتها على اتخاذ قرارات منسجمة مع ما تعتبره القوى السياسية التزاماتها الأساسية، قبل حسم أي خيار يتعلق بالمشاركة في الحكومة أو الاستمرار فيها.
وفي ملف الكهرباء، أكدت مصادر وزارية أن الحل الأسرع لمعالجة الأزمة في المرحلة الراهنة يكمن في رفع التعرفة الرسمية وفق الاقتراح الذي تقدم به وزير الطاقة، بما يسمح بزيادة ساعات التغذية وخفض الكلفة الإجمالية التي يتكبدها المواطنون، ولا سيما فاتورة اشتراكات المولدات الخاصة. وأضافت أن قدرة معامل الطاقة الحالية، وفق المعطيات المتوافرة، تسمح بتحمل نسبة أعلى من ساعات التغذية من دون الحاجة إلى إجراءات استثنائية أو استثمارات كبيرة وفورية.
وأشارت المصادر إلى أن رئيس الحكومة يميل إلى اعتماد هذا الخيار باعتباره الأكثر قابلية للتنفيذ في المدى القصير والأقل كلفة على الخزينة، إلا أن الطرح لا يزال يفتقد إلى الأكثرية المطلوبة داخل مجلس الوزراء، في ظل تحفظات سياسية وشعبية مرتبطة بتوقيت زيادة التعرفة وانعكاساتها على ذوي الدخل المحدود، فضلاً عن المخاوف من تحميل المواطنين أعباء إضافية قبل ضمان تحسن ملموس ومستدام في ساعات التغذية.
قضائياً، أقر مجلس القضاء الأعلى التشكيلات القضائية الجزئية بالإجماع، وأحالها إلى وزير العدل لاستكمال التواقيع، بعد أن كان الأخير قد نجح في «مصالحة» رئيس مجلس القضاء الأعلى ومدعي عام التمييز، وإقناع الأخير بالسير بالإجماع، بعد تأييد تسعة أعضاء من أصل عشرة للتشكيلات بصيغتها المعروضة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يتسع نطاق التحركات النقابية على وقع التداعيات الاقتصادية للحرب الإقليمية وارتفاع كلفة المعيشة، فيما تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة من الموظفين والسائقين والمعلمين والعسكريين المتقاعدين وسائر الفئات المتضررة. وتتزايد التحذيرات من أن استمرار غياب المعالجات قد يدفع نحو تصعيد واسع ينعكس على انتظام العمل في الإدارات العامة وحركة البلاد.
وفي هذا الإطار، يتجه موظفو الإدارة العامة إلى اعتماد يوم الجمعة موعداً ثابتاً للتحركات، فيما تُترك مسألة الحضور يومي الأربعاء والخميس لتقدير الموظفين، كلٌّ وفق طبيعة عمله. كما أمهل الاتحاد العمالي العام الحكومة حتى السبت المقبل للاستجابة إلى جملة من المطالب، في وقت تتحدث تقديرات اقتصادية عن ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية. وتواجه الحكومة في المقابل سلسلة من المطالب المرتبطة بالأجور وبدلات النقل والأسعار، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات على أي أعباء ضريبية أو مالية إضافية يتحملها المواطنون.
المصدر : وكالات








