يتحرك لبنان على مسارين متوازيين؛ أولهما ديبلوماسي يقوده رئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك لحشد الدعم للانسحاب الإسرائيلي وترتيبات ما بعد «اليونيفيل»، وثانيهما داخلي مع تصاعد الضغوط المعيشية والاستعداد لتحركات مطلبية، بالتزامن مع دعم أوروبي جديد بقيمة 505 ملايين يورو وتطورات ميدانية في الجنوب.


تتواصل الحركة الديبلوماسية اللبنانية في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتوازي مع تصاعد الاستعدادات لتحركات مطلبية واحتجاجات متوقعة في لبنان على خلفية ارتفاع أسعار المحروقات وغلاء المعيشة، فيما برز في المقابل إعلان أوروبي عن دعم مالي جديد للبنان، إلى جانب تطورات سياسية وميدانية تتصل بالجنوب ومرحلة ما بعد «اليونيفيل».

وعلى رغم استمرار الرصد السياسي والديبلوماسي للقاءات رئيس الحكومة نواف سلام والوفد اللبناني في نيويورك، وما قد تسفر عنه من نتائج لجهة تحفيز المجتمع الدولي على تبنّي مطالب لبنان المتعلقة بأزمة الجنوب والمفاوضات ومرحلة ما بعد «اليونيفيل»، يتصاعد الاهتمام في الداخل بالاستعدادات للأسبوع المطلبي الذي يُتوقع أن يشهد تحركات احتجاجية وإضرابات، في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات وغلاء المعيشة عمومًا.

وفي حين لا توحي المواقف المعلنة للجهات النقابية والعمالية حتى الآن بأن الحركة الاحتجاجية ستتجاوز إطار التعبير المنضبط عن المطالب، تبقى احتمالات التوظيف السياسي للتحرك مطروحة، وسط اتهامات من جهات عدة لـ«حزب الله» بمحاولة الاستفادة من الحالة المطلبية في سياق حملاته على الحكومة، وإبعاد الأنظار عن مسؤوليته، وفق ما تطرحه هذه الجهات، عن الأوضاع في الجنوب وعن تعثّر عدد من الإجراءات الداخلية.

وفي ظل أجواء الضيق الاجتماعي المتصاعدة، برز تطور إيجابي تمثّل في إعلان المفوضية الأوروبية تقديم دعم مالي بقيمة 505 ملايين يورو للبنان لعامي 2026 و2027، وهو الجزء الثاني من حزمة دعم تبلغ قيمتها مليار يورو كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قد أعلنتها خلال زيارتها إلى بيروت في أيار 2024. ويتركز التمويل الجديد على ثلاثة مجالات رئيسية، تشمل دعم الإصلاحات الأساسية، وتعزيز التعافي الاقتصادي، وتقوية الأمن وإدارة الحدود، والحفاظ على الخدمات الأساسية للفئات الأكثر ضعفًا، إلى جانب مساعدة لبنان على مواجهة تداعيات عدم الاستقرار والنزاعات والنزوح في المنطقة.

وفي المقلب الديبلوماسي والسياسي، يواصل رئيس الحكومة نواف سلام لقاءاته في نيويورك، حيث يلقي اليوم كلمة لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أن يتوجه إلى واشنطن، حيث يُرتقب أن يكون أبرز لقاءاته مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأشار سلام إلى أن لقاءاته الأخيرة ركزت على «ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها»، بما يساهم في تثبيت الاستقرار وعودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم، إلى جانب العمل منذ الآن على التحضير لمرحلة ما بعد «اليونيفيل» وتفادي أي فراغ في جنوب لبنان، من خلال صيغة تضمن استمرار وجود دولي يتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل تحت مظلة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، فضلًا عن حشد الدعم لمسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، بما يساهم في استعادة الخدمات الأساسية وتثبيت عودة الأهالي وتعزيز صمودهم في المناطق المتضررة.

وبعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، قال سلام إن البحث تناول «ضرورة الانتهاء من مراجعة الاتفاقات بين البلدين»، لتكون قاعدة لأول اجتماع للجنة العليا المشتركة اللبنانية-السورية التي أُنشئت في بيروت، كي «لا تبقى هذه الخطوة حبرًا على ورق». وأشار إلى أنه في حال عدم عقد الاجتماع مطلع الشهر المقبل، فسيُعقد في الشهر الذي يليه، لافتًا إلى بحث أهمية تعزيز مشاريع الربط الإقليمي، ولا سيما في مجالات الكهرباء والسكك الحديدية والطاقة، لما تحمله من مصالح مشتركة للبلدين.

من جهته، أشار الشرع بعد اللقاء إلى أن «الإرث القديم صعب»، مؤكدًا أن البلدين يحاولان إنشاء علاقات جديدة تقوم على الاقتصاد والعلاقات السياسية الجيدة التي تنعكس مستقبلًا على الوضع الأمني، ومشددًا على أن «الهموم واحدة بين لبنان وسوريا ويجب أن تجمعنا دائمًا أفضل العلاقات». وعن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية ونصيحته للبنان، قال الشرع: «أدعو للصراحة المطلقة مع شعوبنا، فالوعود المبالغ فيها تسبب صدمات وتؤثر على مساحة الثقة».

وكان من أبرز لقاءات سلام في نيويورك اجتماعه مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بناءً على طلب الجانب الإيراني، بحضور وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وأكد سلام خلال اللقاء أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، داعيًا إلى بناء العلاقة بين البلدين على أساس احترام السيادة وعدم التدخل.

وشدد سلام على أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره واقتصاده، مؤكدًا تطلعه إلى فتح صفحة جديدة مع إيران تقوم على علاقة «من دولة إلى دولة»، أساسها احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة. كما دعا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في لبنان، متمنيًا لها ولشعبها «كل الخير والأمن والاستقرار والازدهار والنمو».

وأكد سلام أن أولوية لبنان تتمثل في انسحاب إسرائيل الكامل من أراضيه ووقف اعتداءاتها، إلى جانب بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها.

من جهته، أكد رجي، الذي عقد سلسلة لقاءات في نيويورك، أن ما يحتاجه لبنان من المجتمع الدولي والدول العربية هو الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها والانسحاب من لبنان، وعلى إيران، بحسب تعبيره، «لكف يد حزب الله عن الدولة». واعتبر أن «الحزب أدخل لبنان في حرب ليس له أي علاقة فيها، لإسناد إيران وجلب الاحتلال من جديد والدمار والقتلى بالآلاف».

وعن «اليونيفيل»، قال رجي إن لبنان «لم يستطع التمديد لولايتها لأسباب إقليمية وأخرى تتعلق بتركيبة مجلس الأمن الدولي»، موضحًا أن هناك سعيًا حاليًا لإيجاد قوة أو إطار يكون بديلًا من القوة الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة، إذا أمكن ذلك.

وميدانيًا في جنوب لبنان، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن الجيش خفّض خلال الأيام الأخيرة حجم قواته المقاتلة المنتشرة في «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، مع تراجع عدد الألوية العاملة فيها من ثمانية إلى ستة، بالتزامن مع تسريح عدد من قوات الاحتياط.

وبحسب الإذاعة، غادرت أربعة ألوية المنطقة خلال الأيام الماضية، وهي لواء الكوماندوز الذي شارك في العمليات عند مرتفع علي الطاهر، ولواء غولاني الذي خاض عمليات في منطقة البوفور، إضافة إلى لواء المظليين الاحتياطي 55 ولواء المدرعات الاحتياطي 4 «كرياتي».

وفي المقابل، دخل لواءان نظاميان إلى المنطقة، هما لواء المدرعات 188 ولواء التدريب «بيسلاح»، ما أدى إلى خفض إجمالي عدد الألوية المقاتلة المنتشرة في جنوب لبنان من ثمانية إلى ستة.

ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر عسكري مطلع أن تقليص القوات يأتي في إطار مساعٍ لتخفيف الضغط على القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، ولا سيما قوات الاحتياط، بعد أشهر طويلة من العمليات والقتال في لبنان، مشيرًا إلى أن الظروف العملياتية الحالية تسمح بتنفيذ هذا التقليص.


المصدر : وكالات