تتواصل الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وسط خلافات حول شروط الاتفاق المقبل وملفات مضيق هرمز والبرنامج النووي والحصار البحري. وبينما تستمر وساطات الصين وباكستان وجهات أخرى لكسر الجمود، ترفع طهران وواشنطن سقف مطالبهما، بالتزامن مع تحذيرات إيرانية من احتمال اتساع نطاق الحرب.


تتواصل على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك المشاورات الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة والتوصل إلى اتفاق جديد ينهي الحرب في المنطقة، من دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على إحراز تقدم. وفي وقت تستمر فيه الوساطات، يتمسك كل طرف بشروط تفاوضية أكثر تشددًا، فيما يبقى مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية والملف النووي في صلب الخلافات.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطّلعة تحدثت إلى «الأخبار»، تركز اللقاء الذي عقد الثلاثاء الماضي في نيويورك بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر على استعراض «الشروط الجديدة» للطرفين لإبرام اتفاق، من دون التوصل إلى أي «نقطة تفاهم مشتركة». وأشارت المصادر إلى أن العودة إلى «مذكرة التفاهم» المبرمة في 18 حزيران بين طهران وواشنطن لم تعد مطلبًا لأي من الطرفين، إذ يطالب كل منهما بإدخال تعديلات على بعض بنودها، ما يزيد من تعقيد مسار المفاوضات.

ويبدو أن الجانبين يسعيان إلى تعزيز موقفيهما التفاوضيين بالاستناد إلى معطيات الميدان؛ فإيران تراهن على ورقة مضيق هرمز وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، فيما تعوّل الولايات المتحدة على الحصار البحري وتشديد الضغوط الاقتصادية على طهران. وفي هذا السياق، تبدو مطالب الطرفين أكثر تشددًا مما كانت عليه سابقًا؛ إذ تصر الولايات المتحدة على عودة حركة السفن في المضيق إلى طبيعتها، وتطالب بفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.

في المقابل، تشترط إيران، إلى جانب إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان وغزة، ورفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول المجمدة وتثبيت التفاهم الإيراني-العُماني بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، عدم فرض أي قيود على برنامجها النووي في المرحلة الحالية، وإحالة هذا الملف، على غرار ما كان عليه في «مذكرة تفاهم إسلام آباد»، إلى مفاوضات لاحقة تعقب وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها.

وفي ظل تمسك الطرفين بمواقفهما، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب محدودة، وفق تقديرات المصادر الواردة في التقرير. وبناءً على ذلك، لا تزال إيران، بحسب المصادر، تراهن على أن تؤدي حالة الاستنزاف الراهنة إلى هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بما قد يضعف موقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة التعويل على احتمال أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى انقسام داخل النظام الإيراني أو إلى اضطرابات داخلية، بما قد يضعف موقف طهران في المواجهة مع واشنطن.

ورغم أن لقاء الوفدين الإيراني والأميركي في نيويورك لم يسفر عن نتيجة معلنة، فإن المشاورات الدبلوماسية وجهود الوساطة لا تزال مستمرة. ويبدو أن التحرك الذي جرى خلال الساعات الماضية يمثل، وفق المعطيات الواردة، محاولة للحؤول دون وصول المسار الدبلوماسي إلى طريق مسدود، ومنع استمرار حالة الاستنزاف الحالية أو اتساع نطاق الحرب بين الجانبين.

وفيما اتجهت الأنظار إلى نتائج اللقاء بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وترامب، لمعرفة ما إذا كان يمكن أن يشكل «مفتاح» كسر الجمود، نقلت وكالة الأنباء الصينية أن شي أبلغ ترامب دعمه لعودة إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق السلام.

وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أمس، من نيويورك، أن بلاده تؤدي دور «الوسيط الصادق والمحايد»، مؤكدًا أنه رغم التطورات غير المتوقعة التي أعقبت توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد»، فإن باكستان «لا تزال عازمة ومركزة على بذل مزيد من الجهود لخفض التصعيد».

وبالتوازي، وضمن التحركات الإيرانية في أروقة الأمم المتحدة، عقد الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي لقاءات عدة على هامش اجتماعات الجمعية العامة، تركز معظمها مع مسؤولين أوروبيين وغربيين، بينهم الأمين العام لحلف «الناتو»، ورئيس المجلس الأوروبي، ووزير الخارجية الألماني.

وحرصت إيران، من خلال هذه اللقاءات، على تحذير المعنيين من أي انخراط إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب والضغط على طهران، كما سعت إلى منع تثبيت الصورة التي تريد واشنطن تكريسها بشأن الأوضاع الراهنة. واعتمد بزشكيان النهج نفسه خلال خطابه أمام الجمعية العامة، إذ رفض الرواية الأميركية، مؤكدًا أن بلاده ليست «دولة إرهابية»، بل «ضحية للإرهاب والعدوان الخارجي».

وأكد بزشكيان أن الشعب الإيراني سيصمد في مواجهة العدوان والحرب التي وصفها بالظالمة، معلنًا في الوقت نفسه الاستعداد للتفاوض وتسوية القضايا عبر المسار الدبلوماسي، ومشيرًا إلى أن إيران تضع الحرب والتفاوض معًا على جدول أعمالها، وترسم على هذا الأساس ملامح سياستها تجاه المرحلة المقبلة. وقد أكد في خطابه بالفعل استعداد طهران للحوار والدبلوماسية والمفاوضات، شرط عدم استخدام لغة القوة.

من جهته، حذر المستشار العسكري للمرشد الإيراني، يحيى رحيم صفوي، أمس، من أن أي هجمات جديدة تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قد تؤدي إلى توسع جغرافي للنزاع «حتى المحيط الهندي».

وقال صفوي، في مقطع مصور بثته وكالة «فارس»، إنه «مع امتداد النزاع الآن من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر، فمن المحتمل أن يتسع هذا النطاق، ردًا على حرب محتملة، حتى المحيط الهندي، أو ربما أبعد منه». وأضاف أن «الربط بين المياه الإقليمية الإيرانية والبحر الأحمر، وبين مضيقي هرمز وباب المندب، سيغير ساحة الحرب»، محذرًا من أنه «إذا بدأ الأميركيون حربًا جديدة فقد تفتح أمامهم جبهة جديدة تتمحور حول البحر الأحمر وباب المندب».

وتابع صفوي: «نحن واليمنيون لدينا مصير مشترك ويدافع بعضنا عن بعض». لكنه أكد في المقابل أنه «إذا نفذت واشنطن بنودنا السبعة المقترحة، فأعتقد أن المسؤولين الإيرانيين يمكنهم دراسة آليات مرور السفن عبر مضيق هرمز بطريقة مختلفة». وقد نقلت تقارير حديثة تحذيره من احتمال امتداد النزاع إلى المحيط الهندي في حال وقوع هجوم أميركي أو إسرائيلي جديد.


المصدر : وكالات