تزامن الحراك الدبلوماسي اللبناني في نيويورك مع مساعٍ قطرية وباكستانية لإبقاء قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران مفتوحة، فيما حمل خطاب بنيامين نتنياهو رسائل أمنية وسياسية متشددة، بالتوازي مع قمة ترامب وشي في واشنطن. وفي هذا المشهد، تحاول بيروت تثبيت موقعها وعلاقاتها الإقليمية بعيدًا عن تحويل لبنان إلى ساحة للصراعات.


في ظل استمرار الحرب والمفاوضات الإقليمية وتداخلها مع التحركات الدولية، برز لبنان في نيويورك ضمن مشهد دبلوماسي واسع، تزامن فيه الحراك الأميركي ـ الإيراني مع جهود الوساطة الباكستانية والقطرية، ولقاءات رئيس الحكومة نواف سلام مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، بالتوازي مع خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والقمة الأميركية ـ الصينية في واشنطن.

وفي أبرز تطورات المسار الإقليمي، استمرت الاتصالات الأميركية ـ الإيرانية بعيدًا من الإعلام، في إطار جهود وساطة تقودها قطر وباكستان. وفي هذا السياق، كشف مصدر مطّلع على مسار الوساطة بين واشنطن وطهران لـ«الأنباء الإلكترونية» أن وسطاء نقلوا إلى الجانب الأميركي مطالب إيرانية لوقف الحرب، شملت أيضًا إنهاء التصعيد الإسرائيلي على الجبهة اللبنانية.

وتسعى باكستان إلى تثبيت موقعها وسيطًا وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران، في وقت يكتسب فيه هذا الدور أهمية بالنسبة إلى لبنان، انطلاقًا من أن أي خفض للتوتر بين الطرفين قد ينعكس على ساحات المنطقة، وفي مقدمها لبنان. وكانت إسلام آباد قد أكدت استمرار جهودها الدبلوماسية لدعم خفض التصعيد والسلام الإقليمي.

وفي هذا السياق، اكتسبت حركة رئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك دلالة سياسية، إذ التقى نظيره الباكستاني والرئيس الإيراني، مؤكدًا أن لبنان يريد علاقات متوازنة مع محيطه، ولا يريد أن يكون ساحة لتبادل الرسائل أو تصفية الحسابات. وشدّد خلال لقائه بزشكيان على إقامة علاقة سليمة من دولة إلى دولة، تقوم على احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، داعيًا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في لبنان. وقد وثّقت مصادر إعلامية لقاء سلام وبزشكيان في نيويورك.

واختصر سلام فلسفة الحراك اللبناني في نيويورك خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني بالقول: «إن ما ينجح في الإقليم ينعكس على لبنان». وتندرج هذه المقاربة، بحسب النص السياسي، في إطار واقع يرى أن لبنان لا يستطيع عزل نفسه عن محيطه، وأن أي انفراجة في المواجهة الأميركية ـ الإيرانية قد تنعكس عليه، خصوصًا في ظل ارتباط قرار حزب الله بإيران وخياراتها، وفق ما يورده النص.

وكان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط قد طرح مقاربة مماثلة، وحضرت خلال اجتماعه الأخير مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خضم الحرب، ومفادها أن التطورات الإقليمية تنعكس مباشرة على لبنان.

في المقابل، حمل خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رسائل تمسّك بالمقاربة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، إذ ألقى كلمته في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي عملياته في لبنان وغزة وسوريا، فيما تتواصل الخطط الاستيطانية في الضفة الغربية، وقبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية.

وحضر البعد الانتخابي في قراءة الخطاب، الذي توجّه فيه نتنياهو أولًا إلى اليهود ثم إلى شرائح أخرى من الإسرائيليين. وردّ على تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع، من المنبر نفسه، أن الجولان سوري بموجب القانون الدولي، بالقول إن اليهود وصلوا إليه منذ زمن موسى وباقون فيه. كما دافع عن الضربات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، معتبرًا أن عدم تدميرها كان سيجعل الإسرائيليين «في عداد الموتى»، وأشاد بالرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره أكبر شريك لإسرائيل.

وهاجم نتنياهو كذلك قطر، متهمًا إياها بتمويل الإرهاب والدعاية المناهضة لإسرائيل في الجامعات الأميركية، كما انتقد أصواتًا بريطانية وفرنسية معارضة لسياساته، ووجّه انتقادات إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعمدة نيويورك زهران ممداني.

وفي قراءة سياسية للخطاب، يذهب النص إلى أن نتنياهو لا يطرح تصورًا للسلام يقوم على إنهاء الاحتلال واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، بل يسعى إلى ترتيبات أمنية تحافظ على التفوق الإسرائيلي وتتيح، بحسب هذا التقييم، تثبيت الاحتلال وتوسيعه في فلسطين ولبنان وسوريا. ويربط أصحاب هذه القراءة بين إصرار إسرائيل على البقاء في الجولان واستمرار عملياتها العسكرية والاستيطان وبين تصور أمني للسلام يقوم على الشروط الإسرائيلية.

وفي المقابل، تتحرك قطر وباكستان لإبقاء قنوات الوساطة بين واشنطن وطهران مفتوحة، فيما يسعى لبنان إلى تثبيت مبدأ العلاقات القائمة على سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. ويبرز بذلك تباين بين مسار دبلوماسي يسعى إلى خفض التصعيد ومسار عسكري وأمني لا تزال تداعياته مستمرة في المنطقة.

أما في واشنطن، فكان المشهد الأوسع مع انعقاد القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في لقاء جذب اهتمامًا دوليًا باعتباره محطة جديدة لإدارة المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ولم تقتصر الملفات المطروحة على التجارة والاقتصاد، بل حضرت أيضًا ملفات جيوسياسية، من بينها الحرب في إيران.

وبالنسبة إلى المنطقة، أفادت وكالة «شينخوا» الرسمية، الخميس، بأن شي دعم عودة الولايات المتحدة وإيران إلى «مذكرة إسلام آباد»، ودعا الطرفين إلى استئناف مسار حل القضايا عبر المفاوضات في أسرع وقت ممكن. ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه باكستان جهودها للوساطة بين واشنطن وطهران، فيما تبحث المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية مسارًا مرحليًا يتصل بوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.

وهكذا تتقاطع في نيويورك وواشنطن ثلاثة مسارات رئيسية: صراع إقليمي لم يُحسم بعد، ومساعٍ قطرية وباكستانية لإبقاء باب التفاوض مفتوحًا بين واشنطن وطهران، ومنافسة دولية أوسع حول قواعد النظام العالمي المقبل، فيما يحاول لبنان التعامل مع تداعيات هذه المسارات من خلال حراك دبلوماسي يركز على علاقاته الإقليمية وسيادته وموقعه في المعادلة الجديدة.


المصدر : وكالات