يتجه لبنان إلى إعادة تفعيل مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وسط سعي حكومي للتوصل إلى اتفاق جديد على مستوى الخبراء يمهّد لبرنامج مالي متكامل. ويأتي ذلك بعد إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما يبقى قانون الفجوة المالية، الخاص بمعالجة وتوزيع خسائر الأزمة، من أبرز الملفات المطلوبة لاستكمال المسار.


يسعى لبنان إلى تحقيق تقدم جديد في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي، من خلال التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، تمهيداً لبرنامج متكامل قد يتضمن قروضاً، فيما لا يزال إقرار قانون الفجوة المالية يشكل شرطاً أساسياً للانتقال إلى اتفاق كامل مع الصندوق، وفق ما أعلنه وزير المالية ياسين جابر، ونقلته وكالة "رويترز".

وقال جابر إن لبنان يتطلع إلى التوصل إلى اتفاق جديد على مستوى الخبراء مع صندوق النقد، موضحاً أن الوصول إلى برنامج كامل لا يزال يتطلب من بيروت إقرار قانون نهائي لمعالجة الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية.

وكان لبنان قد توصل للمرة الأولى إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد في نيسان 2022، بعد أكثر من عامين على انهيار نظامه المالي، في أعقاب عقود من الإنفاق المفرط والفساد في أوساط النخبة الحاكمة، إلا أن تنفيذ الإصلاحات التي تعهّد بها تأخر خلال السنوات اللاحقة.

وأكد جابر أن زيارة الوفد الوزاري اللبناني إلى واشنطن، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، تكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة، كونها تأتي بعد إنجاز عدد من الخطوات الإصلاحية، أبرزها إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالتزامن مع السعي إلى استكمال قانون الفجوة المالية، بما يمهّد لإحراز تقدم في مسار الاتفاق مع صندوق النقد.

وأوضح جابر، في مقابلة مع منصة "صوت المالية"، المنصة الرقمية الرسمية لوزارة المالية، أنه سيشارك في الوفد إلى جانب وزير الطاقة، مشيراً إلى أن برنامج الزيارة يتضمن لقاء المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إلى جانب اجتماعات مع البنك الدولي لبحث عدد من الملفات والمشاريع الأساسية، ولا سيما في قطاع الطاقة.

وقال جابر إنه سيبلغ غورغييفا بضرورة البدء في العمل على برنامج كامل مع الصندوق، يُتوقع أن يتضمن قروضاً، مؤكداً أن لبنان عمل بجدية على الإصلاحات المالية خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. وأضاف أن لقاءه مع غورغييفا ليس الأول، لكن "الجديد هذه المرة أن لبنان يأتي وفي رصيده خطوات أُنجزت فعلياً"، معتبراً أن إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي وجّه رسالة إلى صندوق النقد والمجتمع الدولي مفادها أن الحكومة ومجلس النواب جادان في المضي بالإصلاحات.

وكشف جابر أن "الهدف في هذه المرحلة هو تفعيل مسار الاتفاق مع صندوق النقد، والسعي إلى التقدم نحو اتفاق على مستوى الخبراء (Staff-Level Agreement)، باعتباره خطوة تمهيدية تسبق الوصول إلى برنامج متكامل مع الصندوق"، موضحاً أن ذلك يرتبط باستكمال الإصلاحات المطلوبة، وفي مقدمها إقرار قانون الفجوة المالية، وهو التشريع الذي يهدف إلى توزيع الأعباء الناتجة عن الانهيار المالي الذي شهدته البلاد عام 2019.

وقال: "قد لا نكون اليوم أمام توقيع برنامج كامل مع صندوق النقد، لكن المهم أن نبدأ الخطوة التي تمهّد لذلك، وأن نحدد بوضوح ما أُنجز وما هي الخطوات المقبلة".

وبحسب رويترز، قال مصدر مطّلع على مسار المفاوضات إن اتفاقاً على مستوى الخبراء قد يُوقّع في وقت قريب، فيما رجّح مصدر ثانٍ التوصل إليه بحلول نهاية العام. وفي جميع الأحوال، فإن الوصول إلى برنامج كامل مع الصندوق سيستغرق وقتاً أطول، لأنه يتطلب موافقة مجلس المديرين التنفيذيين لصندوق النقد.

وكان لبنان قد وقّع أول اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد في نيسان 2022، بعد أكثر من عامين على انهيار نظامه المالي، لكنه تأخر في تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها. وقدّرت الحكومة الخسائر الناجمة عن الأزمة بنحو 70 مليار دولار في عام 2022، وهو رقم يُرجّح أن يكون ارتفع منذ ذلك الحين. ويتعيّن توزيع هذه الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين، بما يتيح للمودعين الذين جُمّدت مدخراتهم استرداد أموالهم تدريجياً.

وكانت الحكومة قد طرحت مشروع قانون الفجوة المالية العام الماضي، لكنه لم يُقر حتى الآن، في وقت تعثرت فيه الإصلاحات المالية مراراً خلال السنوات السبع الماضية بسبب تضارب المصالح السياسية والخاصة.

في المقابل، سرعت الحكومة الحالية وتيرة الإصلاحات، ومن بينها قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي رحّب به صندوق النقد في آب الماضي. كما أشار جابر إلى البيان الإيجابي الصادر عن بعثة الصندوق في ختام زيارتها الأخيرة إلى بيروت، معتبراً أنه شكّل "رسالة ثقة يمكن البناء عليها"، وأن لقاءات واشنطن تمثل خطوة إضافية لتأكيد هذه الثقة، إذ يحمل الوفد حصيلة ما تحقق والتقدم الذي أحرزته الدولة رغم الظروف الصعبة.

ولفت جابر إلى أن "الحكومة استطاعت، رغم الحرب والاعتداءات التي طاولت الجنوب وبيروت ومناطق لبنانية أخرى، الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، وإعداد مشروع موازنة 2027 ضمن المهل، مع العمل على ضبط العجز في المالية العامة".

وأضاف أن "المسار الإصلاحي لا يقتصر على إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية وحقوق المودعين، بل يشمل أيضاً تطوير النظام الضريبي، وتحسين الإدارة المالية، وتوسيع المكننة والتحول الرقمي في وزارة المالية، ومعالجة تراكمات إدارية استمرت سنوات".

ورداً على سؤال عمّا إذا كانت الزيارة قد تشكل نقطة تحول في معالجة الأزمة المالية وانعكاساتها على اللبنانيين، شدد جابر على ضرورة مقاربة الأمر بواقعية، قائلاً: "هذه الزيارة لن تحل كل المشاكل، لكنها خطوة نمشي بها إلى الأمام".

وعلى صعيد البنك الدولي، أوضح جابر أن الزيارة تهدف إلى تفعيل التعاون مع البنك، مشيراً إلى أن لبنان يرتبط بمحفظة من المشاريع الحيوية، ولا سيما في ظل محدودية قدرة الموازنة العامة على تخصيص اعتمادات كبيرة للاستثمار.

وتشمل هذه المشاريع قطاعات المياه والكهرباء وإعادة الإعمار وشبكات الأمان الاجتماعي ودعم ذوي الدخل المحدود، إضافة إلى مشروع التحول الرقمي والمشاريع الزراعية. وأكد جابر أن البحث سيركز على تطوير هذه الشراكة وتعزيزها وتأمين مزيد من الدعم والتمويل للمشاريع التي يحتاج إليها لبنان.

وختم جابر بالتأكيد أن أهمية لقاءات واشنطن تكمن في تحويل الخطوات الإصلاحية التي تحققت إلى مسار متدرج وواضح مع المؤسسات الدولية، بما يعزز الثقة بلبنان ويفتح المجال أمام استكمال الإصلاحات ومعالجة الأزمة المالية والاقتصادية.


المصدر : وكالات