عماد رزق - مستشار في الشؤون الامنية


في صباح 30 سبتمبر 2026، كانت الرحلة FZ1073 التابعة لشركة “فلاي دبي” تحلّق فوق الأجواء السعودية في طريقها من دبي إلى تل أبيب، وعلى متنها 174 راكباً معظمهم إسرائيليون. لم يكن أحد يتوقع أن رحلة روتينية ستتحول في غضون دقائق إلى واحدة من أخطر حوادث الطيران المدني في المنطقة، وأنها ستكشف عن ثغرة أمنية لم تكن في الحسبان، وستقود إلى خسارة الشركة الإماراتية لموقعها المتقدم في أهم مطار إسرائيلي.

مشادة في قمرة القيادة تتحول إلى كارثة محتملة

ما حدث داخل قمرة القيادة لم يكن مجرد خلاف مهني. تحوّلت مشادة عنيفة بين قائد الطائرة ومساعده إلى صراع مباشر على السيطرة على الطائرة، استدعى تدخل أفراد من طاقم الضيافة لتأمينها. أُصيب الطياران بجروح نقلتهما إلى المستشفى فور الهبوط، بينما أرسلت الطائرة إشارات طوارئ متتالية قبل أن تهبط اضطرارياً في مطار تبوك السعودي.

أبرز ما كشفته التحقيقات الأولية أن مساعد الطيار الذي فجّر المشادة يحمل الجنسية العُمانية، وهي دولة لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل. هذا التفصيل وحده كان كافياً لإشعال موجة من التساؤلات حول مدى صلابة إجراءات الفحص والتحقق التي تتبعها الشركة الإماراتية قبل السماح لطيارين من دول “غير صديقة” بالجلوس في قمرة القيادة على خطوط متجهة إلى إسرائيل.

بن غوريون يفقد “الشريان الوحيد”
لم تكن أهمية “فلاي دبي” في مطار بن غوريون مجرد رقم إحصائي. منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ومع تعليق عشرات شركات الطيران الدولية رحلاتها إلى إسرائيل، ظلت “فلاي دبي” و”الاتحاد للطيران” الناقلين الوحيدين الذين حافظا على جسر جوي مفتوح مع تل أبيب. تحوّلت الشركة الإماراتية إلى “شريان حياة” فعلي، تنقل مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى دبي ومنها إلى وجهات في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

في أغسطس 2026 وحده، نقلت الشركة نحو 90 ألف مسافر من وإلى بن غوريون، لتستحوذ على ما يقارب 4% من إجمالي حركة الركاب الدولية، محتلةً المرتبة الثالثة بين شركات الطيران الأجنبية العاملة في المطار. ومنذ بداية العام، تجاوز عدد المسافرين معها 420 ألف راكب. لكن قرار التعليق المفاجئ الذي اتخذته الشركة، والمتوقع أن يستمر لستة أيام قابلة للتمديد، يعني ببساطة أن “فلاي دبي” لم تعد الناقل الأول في هذا المطار، بل أصبحت شركات الطيران الإسرائيلية، وفي مقدمتها “إل عال”، هي البديل الوحيد المتاح.

ثغرة في منظومة الفحص..هل كانت صدفة أم خطأً ممنهجاً؟
السؤال الأكثر إلحاحاً الذي تطرحه هذه الحادثة ليس عن هوية المساعد أو دوافعه، بل عن كيف وصل إلى قمرة القيادة أصلاً. بموجب اتفاقيات الطيران الثنائية بين الإمارات وإسرائيل، يُشترط أن يكون الطيارون العاملون على خطوط إسرائيل من مواطني دول تربطها علاقات دبلوماسية بتل أبيب. وجود مساعد عُماني على متن الرحلة FZ1073 يشكّل خرقاً واضحاً لهذا الشرط، وهو خرق تتحمل مسؤوليته المباشرة إجراءات الفحص التي تتبعها “فلاي دبي” والجهات التنظيمية الإماراتية.

كشفت مصادر أمنية إسرائيلية أن جهاز “الشاباك” طلب تأجيل استئناف الرحلات الإماراتية حتى انتهاء التحقيقات، معتبراً أن “تدابير التفتيش في الإمارات ليست كافية”، ودعا إلى فرض إجراءات تفتيش أكثر تقدماً تشمل استخدام أجهزة المسح المقطعي قبل السماح باستئناف الرحلات. كما وافقت الإمارات على السماح لعناصر من “الشاباك” بإجراء عمليات تفتيش في مطار دبي، في خطوة وصفتها تقارير إسرائيلية بأنها اعتراف ضمني بوجود قصور في منظومة الأمن والفحص.

خسائر تتراكم..من المركز الأول إلى شريان مقطوع
خسارة “فلاي دبي” للمركز الأول في مطار بن غوريون ليست مجرد تراجع في التصنيف، بل انعكاس لخسائر مالية وسمعية حقيقية. تعليق 70 رحلة أسبوعية بين دبي وتل أبيب يعني توقف مصدر إيرادات كبير، خاصة أن الشركة كانت تنقل أكثر من مليون مسافر إسرائيلي سنوياً. في المقابل، ارتفعت أسهم شركات الطيران الإسرائيلية فور انتشار خبر الحادثة، مع توقعات بأن يستفيد “إل عال” و”يسرائير” من تحويل مسار المسافرين المحتجزين في دبي.

لكن الأثر الأعمق يتعلق بالثقة. بالنسبة للمسافر الإسرائيلي الذي اعتاد على “فلاي دبي” كخيار آمن ومريح، تغيّرت المعادلة. شركة كانت تُعتبر رمزاً للتعاون الإماراتي الإسرائيلي في ظل اتفاقيات أبراهام، أصبحت اليوم موضع تساؤل حول مدى التزامها بمعايير الأمن والفحص التي يفرضها التعاون نفسه.

دروس من حادثة لم تكتمل فصولها
التحقيقات لا تزال جارية في كل من الإمارات والسعودية وإسرائيل، والدوافع النهائية لم تُحدد بعد. لكن ما هو مؤكد أن هذه الحادثة ستغيّر كثيراً من القواعد التي كانت سائدة. لن تعود شركات الطيران الإماراتية قادرة على الاعتماد على إجراءات الفحص السابقة، ولن يقبل المسافر الإسرائيلي بسهولة بركوب طائرة تمرّ قمرة قيادتها بمن لم يخضع لأكثر معايير التدقيق صرامة.

حادثة “فلاي دبي” ليست مجرد واقعة أمنية عابرة، بل لحظة كشف هيكلي. كشفت أن الشراكات الجوية، مهما كانت متقدمة، لا يمكن أن تستمر دون منظومة فحص تواكب حجم التهديدات، وأن أي ثغرة في هذه المنظومة، مهما كانت صغيرة، قد تكلف شركة كاملة موقعها الريادي وسمعتها التي بنتها على مدار سنوات.


المصدر : Transparency News