بين الجمود السياسي والتوتر المتصاعد في الجنوب وتعقيدات مسار التفاوض مع إسرائيل، يجد لبنان نفسه أمام ملفات متشابكة، من السلاح والعلاقات الداخلية إلى شروط صندوق النقد الدولي. وفي وقت تتجه الأنظار إلى جولة تفاوضية محتملة في تامبا قبل الانتخابات الإسرائيلية، برزت أيضاً معلومات عن لقاء سري منسوب إلى «حزب الله» والحكومة السورية، قابلتها أنقرة ودمشق بالنفي.


في ظل الجمود السياسي في لبنان وترقّب التطورات الإقليمية، يتقدّم الهمّ المعيشي إلى واجهة الاهتمامات، فيما يبقى الجنوب محوراً للقلق مع تصاعد المخاوف من توسيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 الجاري. وفي الداخل، تبدو قنوات الحوار بين «حزب الله» والسلطة مقطوعة، باستثناء مبادرة محدودة لم تنضج ظروفها بعد.

وقال مصدر سياسي رفيع في «حزب الله» لـ«الجمهورية» إن الحزب ليس في وارد إعطاء نتنياهو ذريعة لفتح معركة يحتاج إليها لتحسين وضعه الانتخابي.

وكشف المصدر أن الحديث عن خوض الحزب «معركة إسناد ثالثة» في حال عودة المواجهة الأميركية ـ الإيرانية غير واقعي، مشيراً إلى أن «حزب الله» يعتمد استراتيجية جديدة في التحرك للحفاظ على السلاح وحرية الجغرافيا، في مواجهة ما وصفه بالمطلب الملحّ للعدو بنزع السلاح من دون جبهات إسناد أو غيرها.

وأكد المصدر بحزم أن «لا صفقة حصلت في علي الطاهر»، رافضاً إعطاء أي معلومات عسكرية «في حال تابع العدو عمليته العسكرية في اتجاه تلال الريحان وجبل صافي». وأشار إلى أن التقدير الأمني يؤكد أن إسرائيل ستحافظ على سيطرتها على النبطية الفوقا وكفرتبنيت، ولن تسمح بالدخول إلى البلدتين، معتبراً أن الأمر مرتبط بوجودها في زوطر الشرقية.

وعن العلاقة بين الحزب ورئاسة الجمهورية، كشف المصدر عن «مبادرة خجولة» يجري العمل عليها بعيداً من الإعلام، تقوم على أن يتنازل كل طرف عن خطوة مقابل خطوة، كنقطة انطلاق للحوار. إلا أن الشروط تصطدم حالياً بتمسك كل طرف بموقفه، فيما رأى المصدر أن الخرق الوحيد الممكن قد يأتي من خلال اتفاق أميركي ـ إيراني من جهة، أو اتفاق سعودي ـ إيراني من جهة ثانية.

وفي موازاة ذلك، قالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية» إن التحركات الأخيرة التي قادها رئيس الحكومة نواف سلام في العاصمة الأميركية دخلت في سباق مع التعقيدات المتزايدة في المشهد الميداني جنوباً، خصوصاً بعد ما وصفته بانكشاف تحول جوهري في إدارة واشنطن لمسار التفاوض بين بيروت وتل أبيب.

وبحسب هذه المصادر، كان لبنان يطالب الإدارة الأميركية بممارسة ضغط لإلزام إسرائيل بتطبيق «صيغة الإطار» والانسحاب من نطاقات تجريبية جديدة، إلا أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو طرح، وفق المصادر، معادلة مشروطة تقضي بأن ينفذ لبنان خطوات عملانية في ملف نزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي جديد.

وترى المصادر أن هذه المعادلة تنقل واشنطن من دور الضامن لانسحاب إسرائيل، كما يريدها لبنان، إلى موقع الضاغط على السلطة اللبنانية، عبر وضعها أمام اختبار داخلي تعجز عن تنفيذه.

وفي هذا الإطار، تستعد واشنطن لرعاية جلسة تفاوضية مقترحة في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، حيث مقر القيادة المركزية الأميركية، قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية في 27 الجاري. وترى المصادر أن الاجتماع ينطوي على مأزق للبنان بسبب إرباكه في التعامل مع ملف السلاح، وقد يوفر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورقة أمنية واستعراضاً تفاوضياً يخدم حملته الانتخابية في الأيام الأخيرة قبل الانتخابات.

وبحسب المصادر نفسها، قد يؤدي عجز الدولة إلى منح تل أبيب ذريعة للقول إن لبنان هو الذي لا يلتزم ببنود الاتفاق.

وفي الملف الاقتصادي، أعلن صندوق النقد الدولي أن لبنان لا يزال أمامه عدد من الإصلاحات الأساسية في الاقتصاد والقطاع المصرفي قبل التوصل إلى اتفاق جديد يتيح له الحصول على دعم من الصندوق، بحسب ما أوردت وكالة «رويترز».

وأوضح الصندوق أن مسار لبنان نحو إبرام اتفاق جديد لا يرتبط بإجراء واحد، بل يتطلب استكمال مجموعة من الخطوات والعناصر المرتبطة بالإصلاح المالي والمصرفي.

وقالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحافي، إن التوصل إلى اتفاق يستوجب إحراز تقدم مستمر في تنفيذ الإصلاحات الرئيسية، مشيرة إلى أن من أبرزها دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، وهو ملف أساسي في مسار إعادة تنظيم القطاع المصرفي ومعالجة تداعيات الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان.

وأضافت كوزاك أن الإصلاحات المطلوبة تشمل أيضاً إقرار تشريعات ملائمة لمعالجة الفجوة المالية، على أن تكون منسجمة مع المعايير الدولية. ويأتي ذلك فيما يواصل لبنان مساعيه لاستكمال المتطلبات المرتبطة بالتفاوض مع الصندوق، وسط تأكيد دولي متكرر على ضرورة تنفيذ إصلاحات مالية ومصرفية بصورة متدرجة ومستدامة، بما يمهّد لإحراز تقدم في مسار الاتفاق والحصول على الدعم المالي.

وفي ملف آخر، كشفت وكالة «رويترز»، نقلاً عن ستة مصادر مطّلعة، أن ممثلين عن الحكومة السورية و«حزب الله» عقدوا اجتماعاً سرياً في تركيا خلال أيلول الماضي، هو الأول المعروف بين الطرفين، بهدف احتواء التوترات الأمنية والسياسية.

وبحسب المصادر، التي تضم مسؤولين سوريين وأميركياً ومصدراً أمنياً لبنانياً قريباً من الحزب، جرت المحادثات بدعوة من أجهزة الاستخبارات التركية، وتركزت على تسوية الخلافات وسط أجواء وُصفت بالإيجابية، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

وأشارت المعلومات إلى أن دمشق أكدت عدم وجود عداوة مع الحزب، وعدم نيتها التدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاحه، فيما طلبت من ممثليه المساعدة في وقف تهريب الأسلحة وتفكيك الخلايا النائمة في سوريا، ولا سيما في جنوبها. وفي المقابل، تعهّد ممثلو الحزب بعدم التدخل في الشأن السوري، من دون تقديم رد مباشر على المطالب الأمنية.

لكن تركيا نفت رسمياً انعقاد الاجتماع، ووصفت المعلومات المتداولة بشأنه بأنها مختلقة. كما نفت الخارجية السورية بدورها حصول اللقاء، مؤكدة حصر العلاقات مع لبنان بمؤسساته الشرعية ودعم بسط سيادته على كامل أراضيه.


المصدر : الجمهورية