مع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفيل» وبدء التحضير لانسحابها من الجنوب، تتسارع الاتصالات الدولية للبحث عن قوة بديلة تضمن استمرار الحضور الدولي وتفادي أي فراغ أمني، وسط نقاش حول طبيعة التفويض وصلاحيات القوة المرتقبة.


مع اقتراب موعد بدء سحب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، يتكثّف البحث عن صيغة دولية تضمن استمرار الحضور في الجنوب وتحول دون نشوء فراغ أمني، في وقت لا تزال فيه التحديات الميدانية قائمة.

وكان مجلس الأمن قد أصدر القرار 2790 عام 2025، ومدّد بموجبه ولاية «اليونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ الانسحاب المنظّم بعد ذلك ويُستكمل خلال عام.

وفي وقت تتمسّك بيروت بأهمية استمرار الحضور الدولي، تتحرك فرنسا، بالتنسيق مع عدد من الدول الأوروبية، لبحث شكل القوة التي يمكن أن تتولى مهامًا في الجنوب بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل». وتشير المعلومات المتوافرة إلى اهتمام كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنرويج وإسبانيا بالمشاركة في صيغة محتملة لقوة متعددة الجنسيات.

ولا تزال المباحثات في مرحلة البحث، وسط أسئلة أساسية تتعلق بحجم القوة وطبيعة انتشارها والتفويض الممنوح لها، إضافة إلى آلية التنسيق بينها وبين الجيش اللبناني. وحتى الآن، لا توجد صيغة نهائية أو قرار دولي يحسم شكل المرحلة المقبلة.

التفويض تحت المجهر

وتبرز مسألة التفويض باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في النقاش الأوروبي. فالمقاربة الفرنسية والأوروبية، وفق المعلومات المتداولة، تميل إلى منح القوة الجديدة صلاحيات واضحة لحماية عناصرها وتنفيذ مهمتها، مع طرح احتمال أن تستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ولا يرتبط هذا الطرح بالجانب العسكري فقط، بل أيضًا بالضغوط السياسية والأمنية داخل الدول المشاركة. فمقتل عناصر من «اليونيفيل» خلال أداء مهماتهم، من دون امتلاكهم في بعض الحالات القدرة الكافية على حماية أنفسهم، ترك أثرًا عميقًا لدى عائلاتهم ومجتمعاتهم، ووضع الحكومات أمام سؤال صعب: كيف يمكن تبرير استمرار إرسال جنود إلى منطقة خطرة من دون ضمان قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم؟

ومع تكرار الاعتداءات، يصبح تحديد قواعد الاشتباك وصلاحيات القوة الجديدة عنصرًا أساسيًا في أي قرار أوروبي بالمشاركة.

ماذا يعني الفصل السابع؟

الفصل السابع هو مجموعة المواد الممتدة من 39 إلى 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ويمنح مجلس الأمن صلاحية تحديد وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما.

وهذه التدابير لا تعني بالضرورة استخدام القوة. فقد تشمل عقوبات أو إجراءات لا تنطوي على عمل عسكري، فيما يمكن أن تصل، بقرار من مجلس الأمن، إلى السماح باستخدام القوة.

لذلك، فإن وضع قوة دولية تحت الفصل السابع لا يعني تلقائيًا أنها ستكون قوة قتالية. فطبيعة مهمتها وحدود استخدام القوة تتحدد وفق القرار الدولي الذي ينشئها، وما يتضمنه من صلاحيات وقواعد اشتباك.

ما الذي يحتاجه الجنوب؟

وعليه، فإن النقاش حول «ما بعد اليونيفيل» لا يتعلق فقط باسم القوة أو بالدول التي ستشارك فيها، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه. فالسؤال الأساسي هو ما إذا كانت ستتمتع بتفويض تنفيذي يتيح لها حماية عناصرها والتحرك لتنفيذ مهمتها، أم ستبقى صلاحياتها محدودة، بما يعيد إنتاج الانتقادات التي رافقت أداء «اليونيفيل» خلال السنوات الماضية.

وهذا التفصيل سيكون حاسمًا في تحديد مواقف الدول الأوروبية، كما في رسم حدود العلاقة بين القوة الدولية والجيش اللبناني.

بالنسبة إلى لبنان، لا تقتصر أهمية الوجود الدولي في الجنوب على مراقبة الحدود. فالقوة الدولية تؤدي دورًا في توفير حضور وشهادة دوليين على الأرض، ورصد التطورات، ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة، والمساهمة في الحد من احتمالات التصعيد وسوء التقدير.

ومن هنا، فإن أي انسحاب لا ترافقه ترتيبات انتقالية واضحة قد يفتح الباب أمام فراغ أمني في مرحلة لا تزال فيها الدولة تعمل على تثبيت حضورها في الجنوب وتعزيز دور الجيش.

المطلوب، بالتالي، أن يكون البحث في «ما بعد اليونيفيل» جزءًا من تصور متكامل، يقوم على قوة دولية بتفويض واضح، وانتشار منسّق مع الجيش اللبناني، وخطة انتقالية تعزز سلطة الدولة وتمنع تحول الفراغ إلى أمر واقع.

فالاستغناء عن «اليونيفيل» قبل تأمين البديل قد يضع الجنوب أمام مرحلة أكثر هشاشة، ويجعل الاستقرار رهينةً لتوازنات الميدان وحدها. ويبقى اجتماع تامبا في فلوريدا محطة أساسية لانتظار ما قد ينتج عنه من قرارات، وما ستتركه من تداعيات على مستقبل الحضور الدولي في الجنوب.


المصدر : وكالات