حين تضيق الحرباء بألوانها
03-10-2026 01:55 PM GMT+03:00
في التاريخ شخصياتٌ اشتهرت بقدرتها العجيبة على تبديل المواقع والعبور بين العهود. "تاليران" خدم الثورة والإمبراطورية والملكية، وخرج من كل انقلاب واقفًا على قدميه. و"فوشيه" أتقن البقاء وسط تقلّبات الثورة الفرنسية، فيما صار اسم "فيكار براي"، في الذاكرة الإنكليزية، مرتبطًا بتبديل الولاءات الدينية والسياسية مع تبدّل أصحاب العرش.
لكن هؤلاء جميعًا قد يبدون هواةً أمام مدرسة سياسية لبنانية حديثة لا تكتفي بتغيير الموقف، بل تريد، بعد تغييره، إقناع الناس بأن الموقف السابق لم يكن موجودًا أصلًا. إنها مدرسة جبران باسيل.
فمع باسيل لا تحتاج إلى أرشيف سياسي، بل إلى دليل استعمال: أيُّ باسيل يتحدث اليوم؟
باسيل الحليف لحزب الله، أم باسيل الذي يقول إنه ليس حليفه؟
باسيل تفاهم مار مخايل، أم باسيل الذي أعلن فشل التفاهم؟
باسيل الذي لم يكن يريد نزع سلاح حزب الله، بل تنظيم استعماله ضمن سياسة الدولة، أم باسيل الذي يتحدث اليوم عن حصرية السلاح والقرار بيد الدولة؟
كلهم جبران باسيل. وكلهم، على نحوٍ إعجازي، كانوا على حق في زمانهم!
هنا يصبح "تاليران" مجرد مبتدئ. فتاليران كان يغيّر موقعه عندما يتغيّر النظام. أما في النسخة اللبنانية، فيكفي أن تتغير الريح كي يعاد ترتيب الأشرعة، ثم يُلقى علينا خطاب طويل في الثبات والمبادئ.
مع حزب الله، يستعير باسيل عباءة "تاليران"، شريكٌ حين تكون الشراكة نافعة، ناقدٌ حين تصبح مكلفة، ومبتعدٌ عنها حين تتغير موازين القوى، ثم يحتفظ بخيط يكفي للعودة إذا اقتضت الحاجة.
ومع الدولة والسلاح، تكاد تحضر صورة "فيكار براي"، المبدأ ثابت دائمًا، لكن تعريف المبدأ نفسه يتمتع بمرونة مذهلة. ما كان بالأمس سلاحًا لا ينبغي أن يكون الهدف نزعه، صار اليوم سلاحًا ينبغي أن يخضع للدولة. والمشكلة ليست في تبدّل الرأي، فمراجعة الخطأ فضيلة. المشكلة أن تسمع الموقف الجديد فلا تجد إلى جانبه الجملة الوحيدة التي تمنحه صدقية، لقد أخطأتُ بالأمس. هذه العبارة تحديدًا تبدو يتيمة في قاموس "الباسيلية السياسية".
فالآخرون يخطئون، والظروف تتآمر، والحلفاء يتراجعون، والخصوم يعرقلون، والدولة تفشل، والتفاهم يفشل، والمنظومة تفشل،... وحده صاحب الخيارات يخرج من بين الأنقاض ليشرح للناس لماذا كان، مرةً أخرى، على حق. إنها براعة تستحق أن تُدرَّس، أن تشارك في صناعة الطبخة، ثم تجلس إلى المائدة ناقدًا مذاقها.
وحين يصبح الماضي ثقيلًا، يأتي دور "فوشيه"، النجاة السياسية أولًا. ليس ضروريًا أن تنكر ما قلته. يكفي أن تعيد تفسيره. وليس ضروريًا أن تعتذر عن تحالف. يكفي أن تعلن أن الحليف لم يفهم التحالف كما فهمته أنت. وليس عليك أن تتحمل نتيجة خيار، يكفي أن تشرح أن الآخرين أفسدوا الخيار الذي كان، بطبيعة الحال، ممتازًا عندما اخترته.
وهكذا يصبح باسيل سياسيًا عصيًّا على المحاسبة، لأنه كلما أمسكتَ بموقفه، وجدتَ أن صاحبه انتقل إلى الموقف التالي وترك لك النسخة القديمة. إنها سياسة الأبواب الدوّارة. يدخل من باب التحالف، ويخرج من باب الاختلاف، ثم يعود من نافذة «التفاهم الوطني»، فيما يبقى باب المصالح مفتوحًا تحسّبًا لتبدّل الطقس.
حتى الحرباء قد تشعر بالغبن من التشبيه. فالحرباء تغيّر لونها، لكنها لا تعقد مؤتمرًا صحافيًا بعد كل تبدّل لتشرح أن لونها السابق كان، في الحقيقة، درجةً أخرى من لونها الحالي.
أما هنا، فالمطلوب من اللبناني ألا يصدق الموقف الجديد فقط، بل أن يكذّب ذاكرته. أن ينسى "مار مخايل" عندما يصبح "مار مخايل" عبئًا. وأن يتذكره عندما تصبح الحاجة إلى جمهوره ضرورة. وأن يهاجم السلاح من بوابة الدولة، من دون أن يتذكر سنوات الدفاع عن معادلة مختلفة. وأن يكون مع الخصم وضده في آن، بحسب المناسبة والجمهور واللحظة السياسية.
ليست المشكلة، إذًا، أن جبران باسيل غيّر مواقفه. السياسي الذي لا يراجع موقفًا خاطئًا ليس سياسيًا بل تمثالًا. المشكلة في شيء أشد فداحة. تحويل التقلّب إلى ثبات، والانقلاب إلى مراجعة، وفكّ التحالف إلى بطولة، والتحالف السابق إلى خطأ ارتكبه الآخرون وحدهم. وهنا يتفوّق التلميذ اللبناني على أساتذة التاريخ.
"تاليران" كان يعرف أنه "تاليران". و"فوشيه" لم يدّعِ أنه قديس الثورة. و"فيكار براي" دخل التاريخ لأنه بدّل ولاءاته.
أما جبران باسيل، ففي هذه القراءة النقدية لمسيرته، يريد امتيازًا لم يحصل عليه أحد منهم: أن يغيّر المبدأ، ويحتفظ بالموقع. أن يغادر التحالف، ويحتفظ بفضله. أن يتبرأ من النتيجة، ويحتفظ بإنجاز البداية. وأن يقف في نهاية كل منعطف ليحاسب الآخرين على الطريق الذي كان هو نفسه أحد أبرز سالكيه.
ولذلك ربما يكون تشبيهه بتاليران وحده ظلمًا لتاليران. فالرجل الفرنسي احتاج إلى ثورة وإمبراطورية وعودة ملكية كي يبدّل مواقعه. أما في لبنان، فيبدو أن نشرة أخبار واحدة قد تكون كافية أحيانًا لتحديث النسخة السياسية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل خطاب جديد لجبران باسيل: ليس ماذا يقول اليوم؟
بل إلى متى سيبقى ما يقوله اليوم، هو ما يقوله، غداً؟
المصدر : Transparency News








