رهن حزب الله قرار الحرب والسلم بطهران، ووضع مستقبل أجيال كاملة في الجنوب في قلب حسابات لا تُصنع في لبنان. وهذه ليست مسألة جانبية في الخطاب السياسي، بل هي أصل المشكلة.


 فمن لا يملك أن يقرر وحده متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، لا يستطيع أن يدّعي أنه قادر على حماية قرية أو إعادة عائلة إلى بيتها. القرار انتقل إلى عاصمة أخرى، أما الفاتورة فبقيت على أهل الأرض.

خوض الحروب بالنيابة عن قوى إقليمية لا يصنع سيادة، بل يصنع قرى مدمرة، وأحياء منكوبة، وناساً يُهجَّرون من بيوتهم وأرزاقهم. والجنوب دفع هذا الثمن أكثر من مرة: نازحون لا يعرفون متى يعودون، أعمال أُقفلت، وأرض تحولت إلى ساحة تُدار حساباتها من خارج لبنان.

ومن يفتح الجبهة خدمة لمشروع إقليمي، ثم يترك الناس وحدهم تحت الركام، لا يمكنه أن يقول إنه يدافع عن الطائفة. هو لا يحميها، بل يستخدمها في معركة أكبر منها.

حزب الله يملك القدرة على إشعال الأزمات والدخول في الحروب، وهذا ما أثبته الميدان. لكنه، في المقابل، عاجز عن إعادة بناء ما تهدم. لا توجد خطة إعمار تعيد الحياة إلى القرى المنكوبة، ولا شبكة قادرة على تعويض الناس عمّا خسروه، ولا قرار مستقل يستطيع أن يُخرج الجنوب من دائرة النار.

فالقدرة على فتح الحرب ليست حماية.

الحماية تُقاس بمن بقي في بيته، وبمن عاد إليه بعد الحرب، وبمن استطاع أن يستعيد رزقه وحياته. وبحسب هذه المعايير، فشل الحزب.

ما بقي أمام أهل الجنوب هو العودة إلى مظلة الدولة الشرعية ومؤسساتها الرسمية: الجيش، والقضاء، والأجهزة الأمنية، والحكومة التي تفاوض باسم لبنان، لا باسم محور إقليمي.

هذه المؤسسات قد تكون ضعيفة وتعاني ما تعانيه، لكنها تبقى الجهة الوحيدة القادرة على فتح باب الإعمار، وتثبيت الاستقرار، واستعادة القرار الوطني المستقل. خارج الدولة، سيبقى الجنوب رهينة لقرار لا يُتخذ في النبطية، ولا في صور، ولا في الضاحية.

لبنان لا يُبنى بحروب الوكالة.

يُبنى عندما يعود قرار الحرب والسلم إلى الدولة، وعندما يُحصر السلاح بيدها، وعندما يتوقف الجنوب عن أن يكون منصة لتصفية حسابات الآخرين.

ومن يريد فعلاً مستقبلاً لأجيال الجنوب، لا يرهن هذا المستقبل لطهران.

يعيده إلى دولته.


المصدر : Transparency News