إيلي إ. حرب


ليست معركة "فجر اليمن" جولة جديدة في الحرب اليمنية، ولا مجرد استعادة لمناطق انتزعها الحوثيون أو يسيطرون عليها في الساحل الغربي لليمن، وخصوصاً حول "باب المندب" و"المُخا"، بل هي معركة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية وتلقي بتداعياتها مباشرة على أمن الطاقة العالمي وعلى معادلات الحرب الإيرانية ـ الأميركية، ومستقبل نفوذ طهران في المنطقة.

فقد حققت القوات اليمنية المدعومة سعودياً تقدماً سريعاً في المنطقة الممتدة من "باب المندب" باتجاه "المُخا"، واستعادت، وفق مسؤولين يمنيين ومصادر ميدانية نقلتها وكالات دولية، منطقة "ذوباب" ومواقع عسكرية ومهبطاً للطائرات، قبل أن تتقدم نحو "المُخا" وتعلن الحكومة الشرعية سقوطها بدعم من قصف جوي كثيف نفذه سلاح الجو السعودي على مئات الأهداف الحوثية.

باب المندب: التقدم الميداني حدث عالمي

"باب المندب" ليس مجرد مضيق بحري يربط اليمن بالقرن الأفريقي، بل هو بوابة رئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومنه تمر حركة تجارة وطاقة تربط الخليج وآسيا بأوروبا عبر قناة السويس. وسيطرة الحوثيين على مناطق واسعة عند المضيق الشهر الماضي منحت إيران ورقة ضغط إضافية على حركة الملاحة العالمية، في وقت وضعت الحرب الإيرانية ـ الأميركية مضيق "هرمز" في قلب أزمة الطاقة الدولي، وبات المضيقان تحت الضغط الإيراني من جهة والنفوذ الحوثي من جهة أخرى. وبتعبير أوضح: الممران الرئيسيان من ممرات الطاقة العالمية أصبحا معرضين للخطر في الوقت نفسه.

من هنا يمكن فهم سبب التحرك السعودي السريع لاستعادة الساحل. فالمطلوب ليس فقط إبعاد الحوثيين عن أراضٍ يمنية، بل منع تحول "باب المندب" إلى ورقة استراتيجية دائمة في يد إيران. فالرياض تعتبر السيطرة الحوثية على الممر تهديداً يمنح الجماعة نفوذاً عالمياً لا يمكن للسعودية ودول العالم تجاهله. 

 

السعودية: من حماية الحدود إلى إعادة رسم الأمن الإقليمي

تحمل معركة "باب المندب" بعداً يتجاوز اليمن. فالرياض تواجه منذ بداية الحرب الاميركية الإيرانية ضغوطاً إيرانية مباشرة وغير مباشرة من خلال الاستهداف الحوثي المتكرر للمدن والمنشآت النفطية والمطارات السعودية. في المقابل سعت المملكة إلى تأمين بدائل لطرق تصدير الطاقة مع تطور الحرب في هرمز فيما تشكل منطقة البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من منظومة الأمن النفطي السعودي، وليس مجرد ملف أمني يمني.

الاكثر دلالة على الموقف السعودي دعوة كل من تركيا وباكستان إلى اجتماع طارئ في الرياض تقرر فيه  نشر قوات عسكرية في المملكة بموجب اتفاق الدفاع المشترك المعروف ب "اتفاق مكة"، في تطور يعكس انتقال الأزمة من مواجهة سعودية ـ حوثية، بخلفية إيرانية، إلى ترتيبات أمنية إقليمية أوسع. بمعنى آخر، تعني هذه الخطوة السعودية انها لا تدافع فقط عن حدودها، بل تعمل على منع تطويقها استراتيجياً: من الخليج شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً.

 

إيران تخسر ورقة استراتيجية إذا استقر التقدم اليمني

بالنسبة إلى إيران، تكمن أهمية معركة "باب المندب" في أنها تمس إحدى أهم أدوات النفوذ التي بنتها خلال السنوات الماضية. فالنفوذ الإيراني في المنطقة لم يعد قائماً فقط على الصواريخ والقواعد والميليشيات، بل على قدرة حلفاء طهران على تهديد المصالح الحيوية للخصوم. والحوثيون يمثلون في هذا السياق ورقة شديدة الأهمية، لأن موقعهم الجغرافي يسمح لهم بتهديد الملاحة الدولية من نقطة بعيدة عن الأراضي الإيرانية. وفي حال نجحت القوات الحكومية اليمنية في تثبيت سيطرتها على "باب المندب" و"المُخا" والساحل المحيط به، فإن إيران لن تفقد الحوثيين، لكنها قد تفقد جزءاً من القيمة الاستراتيجية لموقعهم الجغرافي.

من هنا يمكن النظر إلى "فجر اليمن" باعتبارها محاولة لفصل الحوثيين، ومن خلفهم طهران، عن أهم عنصر في قوتهم الإقليمية: الموقع البحري.

 

الحرب وترتيب أوراق المنطقة

المعركة اليمنية جزء من حرب إقليمية أوسع تربط الجبهات ببعضها. ما يحدث في "هرمز" يؤثر في "باب المندب"، وما يحدث في "باب المندب" يؤثر في السعودية، وما تتعرض له السعودية ينعكس على حسابات إيران، وكل ذلك ينعكس في النهاية على بقية ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة. لهذا فإن أي تراجع حوثي ثابت في "باب المندب" دلالته تتجاوز اليمن. وهو يعني أن إيران تواجه محاولة لتقليص قدرتها على استخدام شبكة حلفائها لممارسة ضغوط في الخليج والبحر الأحمر.

ما سبق لا يعني أن طهران فقدت قدرتها على المناورة. فالقتال في تعز مستمر، والحوثيون ما زالوا يسيطرون على صنعاء وأجزاء واسعة من اليمن، كما أن قدرتهم على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لا تختفي بمجرد خسارة مواقع ساحلية.

أين لبنان من كل هذا؟

في حال تثبيت التقدم العسكري اليمني تصبح تداعيات "فجر اليمن" على لبنان أكثر حساسية، وقيمة "حزب الله" بالنسبة للاستراتيجية الإيرانية قد تصبح أكبر، من دون أن يعني ذلك أن إيران ستدفعه إلى فتح جبهة جديدة. لا بل بالعكس، ففي ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية المتزايدة على طهران، قد تصبح المحافظة على حزب الله كورقة نفوذ وردع أهم من استخدامه في مواجهة مباشرة واسعة. ومن هذه الزاوية، قد يكون لبنان أمام مرحلة دقيقة: كلما ضاقت مساحة المناورة الإيرانية في اليمن والبحر الأحمر، ارتفعت حساسية الساحة اللبنانية، لكن ارتفعت معها أيضاً كلفة تحويلها إلى جبهة مفتوحة.

فلبنان ليس اليمن، و"حزب الله" ليس الحوثيين من حيث البيئة السياسية والجغرافية والعسكرية. لكن الإثنين يمثلان، بدرجات مختلفة، جزءاً من شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة. ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه "فجر اليمن" على لبنان ليس ما إذا كان "حزب الله" سيدخل حرباً جديدة، بل ما إذا كانت إيران ستظل قادرة على الاحتفاظ بالشروط نفسها التي بنت عليها نفوذها الإقليمي خلال العقد الماضي.

 

باب المندب قد يكون بداية مرحلة جديدة

ما يجري في اليمن قد يبدو للوهلة الأولى معركة على مدن ومواقع عسكرية، لكنه في الواقع اختبار لمعادلة إقليمية أوسع.

إذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت سيطرتها على "باب المندب"، وتأمين الساحل، ومنع الحوثيين من العودة إلى المضيق، فستكون السعودية قد حققت مكسباً يتجاوز الحدود اليمنية، وستكون إيران قد فقدت إحدى أهم أوراق الضغط المرتبطة بموقع جغرافي استثنائي.

ولهذا فإن معركة المضيق قد تكون، في نهاية المطاف، واحدة من المعارك التي تحدد شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية ـ الأميركية، وتكشف ما إذا كانت إيران ستتمكن من الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمية بالصيغة التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الماضية، أم أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل.

 


المصدر : Transparency News