بعد ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى» ودخول «حزب الله» معركة «الإسناد»، لا يزال لبنان يعيش تداعيات الحرب على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع تصاعد السجال حول سلاح الحزب ومستقبل الدولة. وفي الداخل، يبرز ملف الكهرباء مجددًا مع تعليق وزير الطاقة مشاركته في جلسات الحكومة، وسط اتصالات لتطويق الخلاف قبل جلسة مجلس الوزراء المقبلة.


قبل ثلاث سنوات، دخل لبنان على خط المواجهة عقب «طوفان الأقصى»، حين انخرط «حزب الله» في معركة «الإسناد»، في مسار لا تزال البلاد تدفع كلفته على المستويات البشرية والاقتصادية والمعيشية. وبينما تستمر تداعيات الحرب، تتفاقم الأزمات الداخلية، من الكهرباء إلى غلاء الأسعار، وسط سجال سياسي متصاعد حول سلاح الحزب وأداء الحكومة في الملفات الحيوية.

قبل ثلاث سنوات، استفاق العالم والمنطقة على وقع عملية «طوفان الأقصى»، وفي اليوم التالي دخل «حزب الله» معركة «الإسناد»، واضعًا لبنان على مسار لا يزال مفتوحًا على الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية والمعيشية. أما فائض القوة «المغشوش» الذي بُنيت عليه قراراته، وروّج له داخل بيئته باعتباره ضمانة للحماية والردع، فانقلب في المحصلة إلى فائض من الخسائر، وأسهم، وفق هذا الطرح، في نحر الجنوب من الوريد إلى الوريد. وفي وقت لا تزال البلاد تدفع أثمان الحرب، تتراكم فوقها الأزمات الداخلية، من أزمة الكهرباء إلى غلاء الأسعار.

وبدل أن يعيد «الحزب» حساباته، رأفةً بناسه أولًا، يواصل أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، وفق النص، تقديم ما يصفه الكاتب بـ«الأوهام» في خطاب «الممانعة». فقد قال إن «تحرير الجنوب أمام أعيننا»، وإن «المقاومة التي صمدت مع مجاهديها وشعبها استطاعت أن تقدّم أسطورة في الصمود خلال كل هذه الفترة من العدوان المتواصل». وفي المقابل، يطرح النص تساؤلات حول معنى هذا الصمود، في ظل تدمير نحو مئة بلدة جنوبية بالكامل، وتعرض جبل عامل لأكبر تهجير ونزوح في تاريخه، متسائلًا عن جدوى وصف ما جرى بـ«الأسطورة» إذا كان ثمنه ألّا يبقى حجر على حجر.

وفي كلمته أمس، أغلق قاسم الباب أمام أي مراجعة، قائلًا: «لا تسألونا ماذا ستفعلون، لا يمكن إلا أن نكون مقاومة طالما أن هذا العدوان موجود»، مضيفًا أن «لا شيء» لديه ليقدّمه، وأن «الحل يبدأ بخروج العدو صاغرًا»، قبل أن يحسم موقفه بالقول: «لا تسألونا عن حلول أخرى».

وفي السياق نفسه، وضع قاسم ملف «حصر السلاح» في السلة ذاتها مع الاقتصاد والوظائف والعيش المشترك وأموال المودعين، معلنًا الاستعداد لمناقشة هذه القضايا «وفق الأطر الدستورية». ويطرح النص هنا إشكالية اعتبار السلاح مجرد ملف داخلي تقني قابل للأخذ والرد، على غرار القضايا الاقتصادية والاجتماعية، بدل كونه قضية تمس جوهر السيادة واحتكار الدولة للقوة وقرار الحرب والسلم. وإذا كان الدستور هو المرجعية في الاقتصاد والوظائف وأموال المودعين، يطرح النص تساؤلًا حول كيفية تحول السلاح إلى بند تفاوضي بين الأطراف الداخلية.

وفي السياق السياسي نفسه، رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن تفكيك «حزب الله» ضرورة لقيام دولة فعلية في لبنان، مؤكدًا أن هذا المطلب ليس استجابة لضغوط خارجية، بل أولوية لبنانية. وخلال حوار نظمه معهد واشنطن، انتقد جعجع انتظار تسوية أميركية-إيرانية أو تحرك إسرائيلي لمعالجة الملف، داعيًا الدولة اللبنانية إلى تحمل مسؤوليتها مباشرة.

واعتبر جعجع أن الاتفاق الإطاري مع إسرائيل تعثر لأن تفكيك «الحزب» لم يسبق تطبيقه، رغم اقترانه بانسحاب إسرائيلي من الجنوب. كما رأى أن كسب تأييد الطائفة الشيعية يبقى صعبًا ما دام «حزب الله» يحتفظ بقوته وقدرته القتالية الحالية.

وبالعودة إلى وجع اللبنانيين الراهن، فإن استمرار عجز الدولة عن حسم الملف السيادي لا يمنحها، وفق النص، ترف التباطؤ في معالجة أزمة الكهرباء، ولا سيما بعد إعلان وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، في مؤتمر صحافي أمس، تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء. ويُحذّر النص من أن التأخير يوسّع دائرة الاحتقان الاجتماعي، في وقت باتت فيه قدرة اللبنانيين على الاحتمال عند حدودها القصوى.

وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ«نداء الوطن» إن «تعليق وزير الطاقة والمياه جو صدي مشاركته في جلسات مجلس الوزراء هو بمثابة جرس إنذار واضح إلى أن طريقة مقاربة الملفات الحيوية، ولا سيما ملف الكهرباء، لم يعد في الإمكان أن تستمر على النحو الذي ساد في السابق، في وقت بات فيه المطلوب اتخاذ قرارات جريئة ومسؤولة تضع حدًّا للتردد والمماطلة، بدلًا من الاستمرار في سياسة التمهل وانتظار ما قد تحمله التطورات، فيما يواصل هذا الملف استنزاف الدولة وإثقال كاهل الشعب اللبناني بأعبائه المالية والخدماتية».

وأوضح المصدر أن «خطوة وزير الطاقة تأتي في سياق محاولة دفع المعالجة الحكومية لملف الكهرباء نحو مرحلة أكثر حسمًا، انطلاقًا من أن استمرار الأزمة من دون قرارات واضحة وعملية، لن يؤدي إلا إلى تعميق التداعيات المترتبة عليها، سواء على مستوى المالية العامة أو انتظام التغذية الكهربائية أو ثقة اللبنانيين بقدرة الدولة على معالجة أحد أكثر الملفات استعصاءً منذ سنوات».

وكشف المصدر أن «صدي سيزور اليوم رئيس الجمهورية جوزاف عون، للبحث في مختلف الخلفيات والملابسات التي أحاطت بقراره تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء، على أن يتشاور رئيس الجمهورية بدوره مع رئيس الحكومة نواف سلام في ما آلت إليه الأمور، بما يفتح الباب أمام معالجة سياسية داخلية تحول دون اتساع دائرة الخلاف داخل السلطة التنفيذية».

وبحسب المصدر نفسه، «فإن الاتصالات الجارية يفترض أن تفضي إلى توضيح الصورة في خلال الساعات المقبلة، وسط ترجيح بأن تتجه الأمور في منحى إيجابي قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء المقررة بعد ظهر غد في قصر بعبدا. ويؤمل أن يشارك الوزير صدي في الجلسة، بما يسمح بعودة النقاش الحكومي إلى مساره الطبيعي، على أن يتصدر ملف الكهرباء جدول البحث باعتباره القضية الأكثر إلحاحًا والأشد التصاقًا بأعباء اللبنانيين اليومية».

وعما إذا كانت قد أُجريت اتصالات بين بعبدا وقيادة «القوات اللبنانية»، أشارت المعلومات إلى أن الاتصالات ستتركز بين عون وسلام والصدي، باعتبار أن الأزمة مطلبية ووزارية، وتتصل بملف وزارة الطاقة، وليست أزمة سياسية نتج عنها اعتكاف وزراء «القوات». بل على العكس، ثمة تناغم بين عون وسلام و«القوات» في المواقف السيادية والسياسية، ما يجعل الأولوية لمعالجة أزمة الكهرباء والطاقة التي أدت إلى اعتكاف وزير الطاقة.


المصدر : نداء الوطن