عماد رزق مستشار في الشؤون الامنية


متدربة شابة في الموساد، تتصفح تقارير لا تبدو مترابطة. التقطت«عنات»خيطاً رفيعاً.. خبراء كوريون شماليون في سوريا. ضحك رؤساؤها، ووبخوها، واعتبروا أنها «لا تجيد قواعد اللعبة». لكنها أصرت. 

وبعد سنوات، أثبتت أن حدسها لم يكن وهماً، بل كان الشرارة التي فتحت واحدة من أخطر الملفات الاستخباراتية في الشرق الأوسط: المفاعل النووي السوري في دير الزور.

هكذا بدأت الحكاية. من متدربة عنيدة، إلى اختراق حاسوب رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية إبراهيم عثمان في فيينا عام 2007. في أقل من ساعة، نسخ عملاء الموساد محتوى حاسوبه.. 36 صورة ملونة من داخل منشأة «الكبر»، نسخة مطابقة لمفاعل «يونغبيون» الكوري الشمالي، وصورة لعثمان يتشابك ذراعيه مع عالم نووي كوري. كانت تلك «الدليل الدامغ» الذي دفع إسرائيل لتدمير المفاعل في عملية «البستان» عام 2007.

لكن الطريق لم يتوقف عند سوريا. فملف المفاعل قاد إلى الجنرال محمد سليمان، ومنه إلى رجل الظل في حزب الله: عماد مغنية. 

في دمشق، التقط الموساد «الصورة الذهبية» لمغنية، بعد سنوات من الجهل بشكله الحقيقي. وفي ليلة شباط 2008، تعرفت عليه ضابطتان من الموساد، وصدر الأمر من غرفة القيادة، بحضور ممثلي CIA. اشترط الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن: «اقتلوا مغنية فقط، ولا تقتلوا أحداً آخر». وانفجرت السيارة، ومات مغنية.

لكن القصة الأكبر لم تكن الاغتيال، بل ما سبقه وما تلاه. قبل حرب تموز 2006، زرعت إسرائيل أجهزة تتبع في صواريخ «فجر» التابعة لحزب الله. لم تكن مجرد تنصت، بل خريطة كاملة لمواقع التخزين، حتى في المنازل والمرافق المدنية. خلال الحرب، قصفت إسرائيل تلك المواقع بدقة قاتلة.

وبعد الحرب، بينما كان حزب الله يعيد بناء نفسه، تسلل الموساد إلى ورش البناء. جنّد مهندسين وعمالاً شاركوا في تشييد المنشآت السرية. أحدهم، «أ.م»، حاصل على ماجستير من جامعة تورينو، جُنّد في أوروبا عام 2020، وزوّد إسرائيل بإحداثيات مستودعات صواريخ ومصانع مسيّرات. وآخر، «أبو عبد سليم»، مسؤول وحدة التهوية، هرب إلى إسرائيل عام 2010 حاملاً خرائط فتحات التهوية ومخارج الطوارئ. وبحسب تقارير، فإن معرفته بفتحات التهوية ساعدت لاحقاً في استهداف الأمين العام حسن نصرالله.

ثم جاءت الضربة الكبرى. في 17 و18 سبتمبر 2024، انفجرت آلاف أجهزة البيجر واللاسلكي في أيدي عناصر حزب الله. لم تكن العملية مجرد اختراق تقني، بل «حصان طروادة» كامل. اخترق الموساد سلسلة التوريد، أنشأ شركات وهمية، وروّج أجهزة مفخخة عبر إعلانات مضللة. وفجأة، تضاعفت طلبات الحزب من 500 جهاز سنوياً إلى 5000 جهاز في مارس 2024. كانت الفخ قد نُصب.

الانفجارات أصابت أكثر من 3000 عنصر، وشلّت شبكة الاتصال. وبعد عشرة أيام، اغتيل السيد نصرالله. ثم توالت الضربات حتى اغتيال هيثم الطبطبائي في نوفمبر 2025، واستهداف قادة «قوة الرضوان»، وضربات على منصات إطلاق ومستودعات. استخدمت إسرائيل أنظمة ذكاء اصطناعي مثل «لافندر» و«حبسورة» لبناء «بنك أهداف» دقيق، يحدد «لحظة الصفر» لكل قائد.

لكن المفارقة الأكبر؟ رغم أن حزب الله كشف عشرات شبكات التجسس على مر السنين، ورغم أنه أوقف 41 عميلاً منذ 2024، ورغم اعتراف أحد عناصره بأن «70% من الحزب يعملون مع إسرائيل»، فإنه استمر في الاعتماد على سلاسل توريد خارجية. لم يطوّر تصنيعاً محلياً لأجهزة الاتصال، ولم يبنِ منظومة مستقلة. وهكذا، بعد 18 عاماً من اختراق صواريخ «فجر»، عادت إسرائيل لتخترق البيجر بنفس المنهج.

بعد 2024، حاول الحزب ترميم نفسه. عاد إلى حرب العصابات، فكك هيكله الهرمي، أنشأ وحدات صغيرة، وعيّن 4 نواب لكل قائد. لكن الأزمة المالية الخانقة، وتكاليف إعادة الإعمار التي تتجاوز 11 مليار دولار، جعلت الترميم بطيئاً ومحفوفاً بالمخاطر.

السؤال الآن: هل يتعلم حزب الله من دروس 2024؟ هل يكسر دورة «الاختراق – إعادة البناء – الاختراق»؟ أم سيبقى رهينة لنفس الأساليب التي دمّرت قدراته؟ المؤشرات تقول إنه يغيّر سلوكه، لكن نجاحه يبقى رهين قدرته على بناء منظومة تصنيع وتوريد مستقلة. وفي ظل الحصار والضغط العسكري، يبدو ذلك بعيد المنال.

من «عنات» إلى «البيجر»، تحوّل الحدس إلى منظومة قتل خوارزمية. والأخطر أن إسرائيل لا تزال تخترق الجسم والعقل. والسؤال ليس إن كان الحزب سيعيد البناء، بل إن كانت إسرائيل ستدعه يفعله.


المصدر : Transparency News