هل تتحوّل أزمة الكهرباء في لبنان من أزمة إنتاج إلى أزمة قرار سياسي ومالي، فيما يدفع المواطن ثمن التأخير من ساعات التغذية القليلة المتبقية؟


لم تعد المشكلة محصورة في القدرة على إنتاج الكهرباء، بل في تأمين الأموال اللازمة لتسديد مستحقات الدولة ومتأخراتها، التي تتجاوز 280 مليون دولار. وفيما يسعى وزير الطاقة إلى الحفاظ على استمرارية التغذية، يجري التعامل مع الملف عبر اعتمادات محدودة، ما يهدد بتفاقم الأزمة رغم إمكان تفاديها بقرارات مالية عاجلة.

اعتماد جزئي في مواجهة مستحقات كبيرة

تتمحور الإشكالية حول مشروع قانون لفتح اعتماد إضافي بقيمة 50 مليون دولار، في حين تتجاوز المستحقات المطلوب تسديدها 250 مليون دولار. وهذا الاعتماد لا يغطي سوى جزء من الالتزامات، فيما قد يستغرق المسار التشريعي أسابيع، وهي مدة لا تحتملها منظومة الكهرباء.

لذلك، لا يكفي الالتزام بالإجراءات القانونية، بل يجب تأمين ترتيبات انتقالية تضمن دفع المستحقات العاجلة، لأن تأخير التمويل قد يؤدي إلى تراجع إضافي في التغذية قبل إقرار الاعتماد.

ويواجه وزير الطاقة مسؤولية تشغيلية كبيرة من دون توافر الموارد اللازمة، فيما يبقى القرار المالي خارج صلاحياته المباشرة. لذلك لا يجوز اختزال أي تراجع في التغذية بمساءلة وزارة الطاقة وحدها، بل ينبغي تحميل الحكومة مجتمعة مسؤولية تأمين التمويل ضمن مهل تتناسب مع حاجات القطاع.

الذوق والجية: هل تكفيان لأربع ساعات؟

أما التعويل على تدوير معملي الذوق والجية لتأمين أربع ساعات تغذية يومياً، فهو، وفق المعطيات المطروحة، تقدير مبالغ فيه، وسط اتهامات بأن تضخيم هذا الطرح يهدف إلى زيادة الضغط على مؤسسة كهرباء لبنان من جانب الشركة المشغّلة وبعض النواب المحسوبين عليها.

فبحسب هذه المعطيات، فإن كميات الفيول المتاحة وإمكان تشغيل أربع وحدات فقط من أصل 16 وحدة، لم تتجاوز ساعات تشغيلها 30 ألف ساعة، قد تسمح بزيادة التغذية بنحو ساعة ونصف يومياً ولمدة ثلاثة أسابيع فحسب، وليس بأربع ساعات بصورة مستدامة.

وفضلاً عن محدودية الجدوى التشغيلية، يتطلب الملف متابعة قانونية مع القضاء ومجلس شورى الدولة، بما يضمن حفظ حقوق مؤسسة كهرباء لبنان وعدم تجاوز الإشكاليات العالقة مع الشركة المشغّلة. وتجدر الإشارة إلى أن جذور هذه الإشكالية تعود إلى عام 2022، أي قبل تولّي وزير الطاقة الحالي مهامه، ما يستدعي التمييز بين المسؤوليات المتراكمة تاريخياً والقرارات المتخذة في المرحلة الراهنة.

وقد يساعد تدوير المعملين على إدارة الموارد المتاحة وتحسين التغذية بصورة محدودة ومؤقتة، لكنه لا يوفّر زيادة كبيرة ومستدامة في ساعات الكهرباء، ولا يعوّض النقص في التمويل أو الوقود. لذلك، فإن تصوير هذا الخيار كحل قادر على معالجة أزمة التغذية يمنحه أهمية تفوق قدرته الفعلية، ويصرف الأنظار عن الأولوية الأساسية المتمثلة في تأمين المستحقات المالية اللازمة لاستمرار الإنتاج.

الحكومة أمام اختبار القرار

المطلوب من الحكومة خطة مالية واضحة تحدد المستحقات، ومصادر التمويل، ومواعيد الدفع، وساعات التغذية الممكنة فعليا، وتنسيقها على الوزارات والمؤسسات لتأمين الاعتمادات كي تسدد فواتيرها ومتأخراتها. اعتاد القطاع العام على الا يسدد فواتير الكهرباء، ثم يحول سلف خزينة لكهرباء لبنان من اموال المودعين لسنوات عديدة. هذه الحكومة أوقفت هذا النوع من الدعم لكن عليها بالمقابل ان تفعل تسديد فواتيرها، كما تطلب من المواطن تسديد فواتيره.

فالاكتفاء باعتماد جزئي بقيمة 50 مليون دولار في مقابل مستحقات تتجاوز 250 مليون دولار، مع انتظار مسار تشريعي قد يطول والتعويل على حلول تشغيلية غير مثبتة، لا يضمن استمرارية الكهرباء في المدى القريب.

الكهرباء لا تنتظر انتهاء التجاذبات، والعتمة لا تميّز بين مسؤول مالي ومسؤول سياسي. وعندما تتراجع التغذية، تتحمل الحكومة مجتمعة مسؤولية ما حصل وما كان يمكن فعله لتجنّبه.


المصدر : Transparency News