ما أعلنه مصدر أمني لبناني لقناة «الحدث» مساء الجمعة ليس تفصيلاً أمنياً عابراً، ولا حادثة يمكن المرور عليها كأنها مخالفة عادية. بحسب المصدر، أوقفت قوى الأمن الداخلي عند حاجز ضهر البيدر في البقاع سيارة من طراز «دودج كارافان»، وعثرت بداخلها على نحو 500 كيلوغرام من المواد شديدة الانفجار: 250 كيلوغراماً من مادة «تي إن تي» وكمية مماثلة من «سي فور».


كما تحدث المصدر عن توقيف شخصين قال إنهما ينتميان إلى حزب الله، قبل أن يُسلَّم الموقوفان والمضبوطات إلى الشرطة العسكرية في الجيش لاستكمال التحقيق. وذهب المصدر إلى القول إن كمية المتفجرات المضبوطة قد تشير إلى التحضير لعملية اغتيال كبيرة، من دون تحديد الهدف.

المسألة هنا ليست فقط في حجم الشحنة، بل في المكان الذي كانت تمر فيه.

ضهر البيدر ليس ممراً عسكرياً مغلقاً. هو طريق دولي حيوي يربط بيروت بالبقاع وصولاً إلى معبر المصنع، وتعبره يومياً آلاف السيارات والشاحنات والعائلات. نقل نصف طن من المتفجرات على طريق كهذا يعني تعريض حياة المدنيين لخطر مباشر.

كان يكفي حادث سير، أو خطأ واحد، أو انفجار غير محسوب، حتى تتحول الطريق إلى كارثة. ولو لم تتوقف السيارة عند الحاجز، لكانت هذه الكمية قد واصلت طريقها بين الناس من دون أن يعرف أحد ما تحمله.

من ينقل هذا الحجم من المتفجرات وسط المدنيين لا يستطيع أن يتحدث عن حمايتهم. هو يعرّضهم للخطر قبل أي شيء آخر.

وهنا أصل المشكلة.

حزب الله لا يحتفظ فقط بترسانة عسكرية موازية للدولة تُبقي مناطق واسعة، وخصوصاً الجنوب، داخل دائرة الخطر. المشكلة أيضاً في وجود شبكات نقل وتخزين وتحرك للسلاح خارج رقابة الجيش والقضاء وقوى الأمن الداخلي.

كل شحنة سلاح أو متفجرات تمر بين البيوت والطرقات، وكل مخزن يُكتشف داخل منطقة سكنية أو بالقرب من طريق عام، يجعل المدنيين أكثر عرضة للخطر، ويفتح الباب أمام استهداف المناطق التي يوجد فيها هذا السلاح.

وهكذا يدفع الناس الثمن مرتين: مرة لأن السلاح يتحرك بينهم ومن حول بيوتهم، ومرة لأن وجوده قد يحوّل أحياءهم وقراهم إلى أهداف.

هذا ليس تفصيلاً جانبياً في النقاش حول السلاح. هذه هي المشكلة في جوهرها: أن يبقى قرار الحرب والسلم وحركة السلاح خارج مؤسسات الدولة، بينما تقع النتائج دائماً على الناس.

الدولة التي توقف السيارة، وتصادر المتفجرات، وتحيل القضية إلى الشرطة العسكرية، تقوم بما يفترض أن تقوم به. أما إذا أثبت التحقيق ما نُسب إلى الموقوفين وعلاقتهما بحزب الله، فإن القضية تصبح أبعد بكثير من مجرد ضبط أمني.

عندها يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لسلاح يُقال إنه موجود لحماية الناس أن يتحرك بهذه الكميات على طرقهم وبين سياراتهم؟

لبنان دفع ثمناً باهظاً للسلاح الخارج عن الدولة. قرى دُمرت، عائلات نزحت ولم تعد، واقتصاد مناطق كاملة تضرر، فيما لا تزال ذاكرة الاغتيالات السياسية حاضرة في أذهان اللبنانيين.

ونصف طن من المتفجرات ليس كمية تُنقل لحماية قرية أو للدفاع عن حي.

ولهذا فإن التحقيق يجب أن يصل إلى نهايته، بعيداً عن أي حماية سياسية أو حزبية. يجب أن يعرف اللبنانيون لمن كانت هذه المتفجرات، ومن نقلها، وإلى أين كانت متجهة، وما الغاية منها. ومن يثبت تورطه يجب أن يُحاسب أمام القضاء، أياً كان انتماؤه.

لأن نقل المتفجرات بين المدنيين ليس «مقاومة»، ولا عملاً يمكن تبريره تحت أي عنوان. إنه خطر مباشر على الدولة وعلى الناس.

وكل يوم يتأخر فيه حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، يبقى احتمال تكرار المشهد قائماً: سيارة تمر بين العائلات، شحنة مخفية، وحاجز قد يكتشفها هذه المرة وقد لا يكتشفها في المرة المقبلة.

من هنا، لم يعد المطلوب مجرد بيانات استنكار أو تحقيق ينتهي في الأدراج. المطلوب قرار واضح: لا سلاح ولا متفجرات ولا شبكات نقل خارج سلطة الدولة. على الجيش وقوى الأمن والقضاء أن تكون لها اليد الوحيدة في ضبط السلاح وملاحقة من يخالف القانون، من دون خطوط حمراء ومن دون استثناءات حزبية.

وعلى الحكومة أن تتعامل مع هذه القضية باعتبارها مسألة أمن وطني، لا ملفاً قابلاً للمساومة السياسية. حماية اللبنانيين تبدأ عندما يعرف كل مواطن أن الطريق الذي يسلكه مع عائلته ليس ممراً لشحنة متفجرات، وأن الحي الذي يعيش فيه ليس مخزناً للسلاح، وأن قرار الحرب والسلم لا يُتخذ خلف أبواب مغلقة خارج مؤسسات الدولة.

هذه ليست دعوة ضد طائفة ولا ضد جمهور. هي دعوة لحماية الجميع: في الجنوب والبقاع وبيروت والجبل والشمال، من دون تمييز.

المطلوب اليوم بسيط وواضح: سلاح واحد بيد الدولة، جيش واحد يحمي الحدود، وقضاء واحد يحاسب كل من يعرّض حياة اللبنانيين للخطر.

أما بقاء السلاح خارج هذا الإطار، فمعناه إبقاء كل طريق وحي وقرية رهينة حادث واحد قد يتحول في لحظة إلى كارثة.

كفى تعريضاً للناس للخطر. حان وقت أن تستعيد الدولة قرارها، وأن يصبح أمن اللبنانيين فوق كل حزب وكل سلاح وكل حساب سياسي.


المصدر : Transparency News