السياسة ليست كتاباً مقدّساً... بل لعبة مصالح وموازين قوى!
12-10-2026 11:58 AM GMT+03:00
قليلة هي الثوابت في الحياة، فكيف إذا كنّا نتحدّث عن السياسة، حيث لا تحالفات أبدية، ولا عداوات سرمدية، ولا موازين قوى عصيّة على الانقلاب؟
السياسة ليست عقيدة منزّ
لقد شكّل السابع من تشرين الأول 2023 وما تلاه من حروب وتحوّلات نقطة انعطاف أعادت خلط أوراق المنطقة، وبدّلت حسابات القوى وتحالفاتها. ومن يصرّ على قراءة المشهد بعين الأمس، يخاطر بأن يبقى أسير توازنات لم تعد قائمة.
وئام وهاب... تحوّل يختصر مشهداً أكبر
يبرز الوزير السابق وئام وهاب نموذجاً لهذه التحوّلات. فالرجل الذي عُرف بدفاعه عن محور المقاومة ومواقفه إلى جانب حزب الله وسوريا وإيران، بات يتبنّى خطاباً مختلفاً في بعض الملفات، وصولاً إلى مواقفه تجاه بنيامين نتنياهو على خلفية أحداث السويداء.
قد يرى البعض في ذلك انقلاباً على مواقف الأمس، وقد يراه آخرون استجابة لواقع جديد فرضته المخاوف التي واجهها الدروز في سوريا. ولست هنا بصدد تبرير وهاب أو إدانته؛ فالسياسة تفرض أحياناً مراجعة الحسابات والتحالفات.
لكن من حقّ السياسي أن يغيّر موقعه، لا أن يغيّر المعيار الذي تُقاس به أفعال الآخرين.
بين الحماية والإجرام... من يملك حقّ توزيع البراءة؟
قد يكون شخص مسؤولاً عن قتل ودمار في مكان، فيما تراه جماعة أخرى حامياً لها في مكان آخر. غير أنّ الحماية لا تمحو التاريخ، والمصلحة لا تمنح أحداً صكّ براءة.
فالدم لا يفقد قيمته بتغيّر هوية الضحية، والجريمة لا تصبح فضيلة لأن مرتكبها خدم مصالحنا.
وهنا تحديداً يتجاوز النقاش شخص وئام وهاب وموقفه. فإذا كنّا نرفض تبرئة أي مسؤول عن العنف لمجرّد أنه حمى جماعة ما، فعلينا تطبيق المعيار نفسه على زعمائنا في لبنان. فقد رفع كثيرون شعارات حماية الطوائف، فيما دفع اللبنانيون ثمن صراعاتهم من دمائهم وأرزاقهم.
من دماء الحرب إلى نهب الدولة... تاريخ لا يجوز أن ننساه
منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، عاش لبنان القتل والتهجير والخطف والمجازر على الهوية، وسط صراعات الميليشيات والزعامات والمحاور.
انتهت الحرب عام 1990، لكن بعض قادتها انتقلوا إلى السلطة. تبدّلت ساحات الصراع من المتاريس إلى مؤسسات الدولة، وبقيت المحاصصة والنفوذ أقوى من منطق المواطنة والمحاسبة.
ومع الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، ثم انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، تكشّفت نتائج عقود من الاختلالات والفساد وضعف المؤسسات، فيما وجد اللبناني نفسه عاجزاً عن حماية مدّخراته أو ضمان أبسط حقوقه.
لقد خرج لبنان من الحرب، لكنّه لم يتحرّر من منطق الزعامة الذي جعل المواطن يدفع ثمن الصراع في زمن الحرب، وثمن سوء الحكم في زمن السلم.
إسرائيل قتلت ودمّرت وهجّرت... فماذا عن الذين حكموا لبنان لعقود؟
لا يمكن التقليل من فظاعة ما ارتكبته إسرائيل بحقّ اللبنانيين من قتل وتدمير وتهجير، ولا تبرير الاعتداءات التي حصدت الأرواح ودمّرت البيوت والقرى.
لكن إدانة هذه الجرائم لا تعني إعفاء الداخل من مسؤوليته. فإلى جانب الدمار الذي خلّفته الحروب، هناك دمار آخر أصاب حياة اللبنانيين بفعل الفساد والنهب وسوء الإدارة.
إسرائيل دمّرت منازل بالقصف، فيما ساهمت منظومة الحكم في تبديد مدّخرات أصحابها وإفقارهم. الحرب هجّرت عائلات تحت النار، والانهيار دفع عائلات أخرى إلى الهجرة بحثاً عن العمل والأمان.
ليست الوسائل واحدة، ولا المسؤوليات متطابقة، لكن المقارنة تكشف حجم المأساة التي عاشها اللبناني: تهديد لأمنه من الخارج، واستنزاف لكرامته ومقوّمات حياته من الداخل.
من كان بالأمس يمدّ يده ليُعطي، أصبح اليوم يمدّها ليطلب. ومن أمضى عمره يعمل ويدّخر، وجد نفسه يصارع لتأمين الدواء ولقمة العيش، في دولة تراجعت فيها الخدمات الأساسية، وغابت فيها المحاسبة.
أنا لا أنتظر من عدوّ أن يحمي لبنان، لكنني أنتظر ممّن حكمونا باسم الوطن والسيادة والكرامة أن يصونوا حياة الموطن وحقوقه.
ولهذا فإن خذلان الداخل يحمل مرارة إضافية: إنه خذلان من تولّوا مسؤولية حماية الناس، لا من أعلنوا العداء لهم.
فليس كلّ من دمّر حياة شعب أطلق عليه النار؛ ثمة من أفقره، وبدّد تعبه، وتركه حيّاً يواجه العجز كل يوم.
حين تصبح الطائفة حصانة والفساد وجهة نظر
الأشدّ خطورة أن بعض من ساهموا في إضعاف الدولة ما زالوا يقدّمون أنفسهم حماةً للطوائف، فيما يحتاج المواطن إلى وساطتهم للحصول على حقّ يفترض أن تكفله المؤسسات.
ندين فساد الخصوم ونتساهل مع فساد الحلفاء. نطالب بالعدالة لضحايا الحروب، ثم نتردّد في محاسبة من ساهموا في إفقار الناس وتدمير مستقبلهم. وهكذا تتحوّل الطائفة إلى حصانة، والولاء إلى بديل عن المساءلة.
قد تتغيّر التحالفات وفق موازين القوى، لكن لا يجوز أن تتغيّر معها قيمة الإنسان أو معايير العدالة. فلا حماية الطائفة تمحو الجرائم، ولا الشعارات الوطنية تغسل أيدي الفاسدين.
لقد آن الأوان أن نكفّ عن تقديس الزعماء وتبرير أفعالهم، وأن نطالب بمحاسبة كلّ من استباح حقوق اللبنانيين، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
فلا نهوض للبنان، ولا بناء لدولة، ولا إصلاح لما أفسدته عقود من الفساد والنهب، من دون محاسبة حقيقية. فلا وطن يُستعاد فيما يبقى المسؤولون عن انهياره بمنأى عن الحساب.
المصدر : Transparency News








