عماد رزق مستشار في الشؤون الامنية 


الديزل عنوان عالم بلا قطب واحد
في التاسع من تشرين الأول 2026، لم يكن اتصال ترامب-بوتين مجرد مكالمة عابرة. كان إعلاناً بأن أمريكا التي فرضت قواعدها على العالم منذ 1991 لم تعد قادرة على فرضها. صفقة الديزل الروسي التي أُعلنت بعد الاتصال لم تكن اتفاقاً تجارياً، بل صفعة للمبادئ والقوانين. واشنطن التي حظرت الطاقة الروسية بقانون، عادت لتفتح نافذة ترخيص عام تسمح بتدفق الديزل حتى 7 أبريل 2027. لماذا؟ لأن أسعار الوقود في أمريكا ارتفعت قبل الانتخابات النصفية، ولأن الناخب الأمريكي لا يهمه ما يحدث في كييف بقدر ما يهمه سعر الغالون.

الرئيس ترامب أراد إنقاذ شعبيته، فوجد في بوتين "مضخة إنقاذ". 300 ألف طن فوراً، 500 ألف في نوفمبر، مليون طن إضافي... أرقام كبيرة على الورق، لكنها لا تكفي إلا لساعات من الاستهلاك العالمي. لكنها كافية لتقول إن العقوبات ليست مقدسة، وإن "أمريكا أولاً" تعني أحياناً كسر قوانينها.

في اليوم نفسه، وقف ريشي سوناك في نيودلهي ليقول ما لم يجرؤ عليه غيره: "النظام العالمي القديم انتهى". لم يقل إن ترامب هو السبب، بل وصفه بأنه "عرض" من أعراض انهيار أعمق. سوناك لم يكن يتحدث كنبي، بل كمن رأى بعينه كيف أن الهند والخليج والصين وروسيا بدأت ترسم مساراتها. 61 نزاعاً مسلحاً حول العالم، أكثر من أي وقت منذ الحرب العالمية الثانية، وعدم يقين جيوسياسي يخنق الأسواق.

لكن الصفقة لم تكن فقط أمريكية-روسية. كانت شبكة مصالح تمتد من بحر قزوين إلى البحر الأحمر. إيران، التي ضربتها أمريكا وإسرائيل، وجدت نفسها تبيع الديزل عبر روسيا، بينما تشتري مسيرات. طهران لم تعد "تدور حول العقوبات"، بل أصبحت لاعباً في صناعة النظام. وزير خارجيتها عباس عراقجي عرض على السعودية وساطة مع الحوثيين في اليمن. الرياض التي أنهكتها الحرب، تريد مخرجاً، لكنها لا تريد أن يبدو أنها تفاوض تحت الضغط. وهكذا يتحول اليمن إلى "لعبة كبرى" جديدة.

تركيا تقلب الطاولة
عندما تراجعت الإمدادات الروسية، قلبت أنقرة الطاولة: حصة روسيا من الديزل التركي هبطت إلى الخُمس، بينما قفزت الواردات من الهند وأمريكا. لم تفعل ذلك خوفاً من الغرب، بل لأن سوقها طلب ذلك. تركيا تتحكم بالبوسفور والدردنيل، وتلعب على كل الحبال: شراكة دفاعية مع بريطانيا، حوار مع موسكو، ومناورة في سوريا. "الجميع يحتاج تركيا، ولا أحد يثق بها تماماً".

نتنياهو في الزاوية
أراد ضربة قاضية لإيران، لكن ترامب أوقف العمليات ليخفض أسعار الطاقة قبل الانتخابات. نتنياهو يريد تفكيك البرنامج النووي، وترامب يريد اتفاقاً. في مكالمة وُصفت بالمتوترة، جادل نتنياهو بأن التأخير خطأ، لكن ترامب كان واضحاً: الدبلوماسية أولاً. إسرائيل تُركت خارج مفاوضات مذكرة التفاهم، مما يعني أن أمنها قد يُحدد بدونها. هذه ليست مجرد خيانة، بل إعادة تعريف لمعنى الحلف.

بريطانيا حاولت ملء الفراغ أرسلت سفناً إلى شرق المتوسط، لكنها رفضت إرسال قطع إلى هرمز. وزير الدفاع البريطاني قال بصراحة: لن نحذو حذو واشنطن في تخفيف العقوبات. لندن تدرك أن النظام القديم انتهى، لكنها ترفض الانخراط في نظام ترامب الجديد.

روسيا والصين؟ 
موسكو تكسب نفوذاً عبر الطاقة والوساطة. بكين تبني نفوذاً عبر الموانئ والدبلوماسية. إيران نقطة التقاء، لكن لا أحد يريد حرباً شاملة ترفع النفط إلى 150 دولاراً.

الخلاصة
صفقة الديزل ليست صفقة. إنها شهادة وفاة موثقة لنظام قادته أمريكا. القانون يُعلَّق، العقوبات تُفاوض، الخصم يصبح شريكاً، والحلفاء يُضغط عليهم. العالم الجديد لا يُبنى على قواعد، بل على مصالح متشابكة. ومن لا يفهم ذلك، سيبقى يبحث عن قطب واحد في عالم صار متعدد الأقطاب.


المصدر : Transparency News