حزب الله والدولة اللبنانية: من يكسب ثقة البيئة في معركة الـ40 مليار دولار؟
14-10-2026 02:45 PM GMT+03:00
لم تعد إعادة إعمار المناطق المتضررة في لبنان مجرد استحقاق إنساني واقتصادي فرضته الحرب، بل باتت جزءاً من صراع سياسي على مستقبل البيئة الشيعية، وعلى الجهة التي ستتمكن من استقطابها وتثبيت ولائها في مرحلة ما بعد الحرب. ففي مقابل توجه تقوده الحكومة اللبنانية بدعم أميركي، ويقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات والتمويلات البديلة، يتمسك حزب الله، مستنداً إلى علاقته الاستراتيجية بإيران وشبكته الاجتماعية، بدوره بوصفه المرجعية القادرة على حماية بيئته ورعاية مصالحها.
ضمن هذا المشهد، تكتسب التعويضات التي أعلنها حزب الله وتحرك الحكومة جنوباً، بالتزامن مع تداول وثيقة منسوبة إلى مجلس الأمن القومي الأميركي تقترح تخصيص نحو 40 مليار دولار على مدى سنوات لإعادة بناء الدولة اللبنانية، دلالة تتجاوز المساعدة المالية. فالمعركة لا تدور حول من يدفع الأموال فحسب، بل حول من يستطيع تحويلها إلى ثقة ونفوذ، ومن ينجح في منع تراجع علاقته بالمجتمع الذي يستند إليه.
محور الدولة وواشنطن: استعادة المرجعية
ينطلق التوجه الأول من أن إضعاف نفوذ حزب الله لا يتحقق بالضغط العسكري والسياسي وحده، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف التي جعلت شرائح واسعة تعتمد على شبكته الاجتماعية والخدماتية. من هنا، تبرز أهمية التصور المنسوب إلى مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي يتحدث عن برنامج بقيمة 40 مليار دولار على مدى سنوات، يجمع بين إعادة الإعمار، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتطوير الخدمات العامة، ومعالجة جوانب من الأزمة الاقتصادية والمصرفية. يعزز هذا التوجه زيارات رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب وآخرها الى مدينة النبطية، في محاولة لترجمة حضور الدولة إلى مشاريع ملموسة، من خلال المناقصات لتأهيل الطرق والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، وإزالة الأنقاض، ودعم خدمات الإنقاذ والصحة. وتكتسب هذه المشاريع أهمية تتجاوز قيمتها المالية، لأنها تختبر قدرة المؤسسات الرسمية على استعادة دورها في مناطق اعتادت الاعتماد بدرجات متفاوتة على شبكات الرعاية الحزبية.
نجاح هذا التوجه يظل مشروطاً بانتقال التمويل والمناقصات إلى تنفيذ فعلي، وبقدرة الدولة على توفير الأمن والاستقرار والعودة المستدامة. كما أن الوثيقة الأميركية المنشورة تبقى تصوراً منسوباً إلى جهة أميركية، لا دليلاً بحد ذاته على إقرار برنامج تمويلي بقيمة 40 مليار دولار.
محور حزب الله وطهران: الحفاظ على النفوذ
في المقابل، يواجه حزب الله تحدياً يتجاوز تداعيات الحرب العسكرية. فالأضرار الواسعة، والنزوح، وخسارة الممتلكات ومصادر الرزق، تضع شبكة الرعاية التي بناها أمام اختبار صعب، إذ يتعين على الحزب إثبات قدرته على توفير المساعدة والتعويض والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
من هنا، يمكن قراءة إعلان التعويضات عبر برنامج "وعد والتزام" محاولة لتثبيت دوره الاجتماعي واحتواء الضغوط داخل بيئته، ومنع تحول الحاجة إلى بدائل عملية إلى مدخل لتراجع الثقة به. أما البعد الإيراني، فيتصل بالعلاقة الاستراتيجية بين طهران وحزب الله، وبما يمثله استمرار نفوذ الحزب من حضور إيراني في لبنان والمنطقة. ولذلك، فإن أي تراجع جوهري في قدرة الحزب على الحفاظ على علاقته ببيئته ستكون له انعكاسات تتجاوز الساحة اللبنانية، وإن كان حجم هذه الانعكاسات يتوقف على عوامل سياسية وأمنية أوسع.
البيئة الشيعية بين التوجهين
هنا نقطة الاشتباك الأساسية. فواشنطن والحكومة اللبنانية تراهنان على أن تعزيز قدرات الدولة يمكن أن يفتح أمام السكان خيارات تتجاوز الاعتماد على حزب الله، فيما يسعى الحزب، مستنداً إلى تحالفه مع إيران وشبكته الاجتماعية، إلى المحافظة على موقعه ومنع انتقال الثقة إلى مؤسسات أو جهات منافسة.
غير أن البيئة الشيعية ليست كتلة واحدة تتحرك وفق حسابات موحدة. فالاعتبارات العقائدية والسياسية والأمنية والتاريخية تتداخل مع الحاجات المعيشية، فيما يفرض الدمار والنزوح والخسائر الاقتصادية أسئلة مباشرة عن جدوى الخيارات القائمة حالياً وقدرة الجهات المعنية على تأمين مستقبل أكثر استقراراً. وعليه، لا ينبغي التعامل مع مظاهر الامتعاض المتداولة بوصفها دليلاً حاسماً على انفضاض البيئة عن الحزب، لكنها تظل مؤشراً يستحق المتابعة، خصوصاً إذا اقترنت بتأخر التعويضات أو تعثر إعادة الإعمار. فلا يكفي مثلاً إعلان مشاريع حكومية أو دولية أو حتى حزبية لإثبات أن السكان باتوا مستعدين لنقل ولائهم السياسي إلى الدولة، لأن ذلك يتطلب أداءً مستداماً ونتائج ملموسة.
من يكسب معركة الثقة؟
في المحصلة، تتجاوز معركة المليارات مسألة إعادة الإعمار لتصبح جزءاً من تنافس أوسع بين توجهين: توجه أميركي ـ لبناني يسعى إلى تقوية الدولة وتقليص اعتماد البيئة الشيعية على حزب الله، وتوجه يقوده الحزب مستنداً إلى علاقته بإيران، ويهدف إلى الحفاظ على دوره السياسي والاجتماعي.
لكن لا واشنطن حسمت هذه المعركة بمجرد طرح تصور مالي، ولا الحكومة طبعاُ تمكنت من ذلك، ولا حتى حزب الله حسمها بمجرد إعلان تعويضات بمئتي مليون دولار. فالمعيار الحقيقي هو القدرة على تحويل الأموال إلى منازل معاد بناؤها، وخدمات منتظمة، ومصادر رزق مستعادة، وأمن يسمح للسكان بالعودة والاستقرار.
ويبقى السؤال الأهم: من يضمن ولاء البيئة الشيعية؟ ومن يستطيع كسب ثقتها من خلال أداء فعلي ومستدام؟ فبين الدولة وشبكة الرعاية الحزبية، ستبقى تجربة الناس اليومية، لا الأرقام المعلنة وحدها، عاملاً أساسياً في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة.
المصدر : Transparency News








