ترامب يطالب بتغيير الرئيس الأوكراني... وبوتين يبحث عن انتصار يُنهي الحرب بشروطه
15-10-2026 10:55 AM GMT+03:00
في الحروب الكبرى، لا تبدأ التحوّلات التاريخية دائماً من ميادين القتال، بل قد تبدأ بتصريحٍ سياسيّ يُعيد رسم حدود التحالفات، ويكشف ما تخفيه المفاوضات. وعندما يدعو الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استبدال نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، بالتزامن مع انفتاح اقتصادي على موسكو، فإن السؤال يتجاوز مستقبل رجلٍ في السلطة، ليطال مستقبل حربٍ دخلت عامها الخامس، ومصير نظامٍ دوليّ يتأرجح بين قوة القانون وقانون القوة.
فهل نحن أمام بداية تسوية تاريخية، أم أمام تصدّعٍ في التحالف الغربي قد يفتح الباب لتصعيدٍ جديد؟ وهل أصبح زيلينسكي عقبةً أمام تفاهمٍ أميركي - روسي يتجاوز أوكرانيا نفسها؟
من حرب الاستنزاف إلى دبلوماسية المصالح
منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 شباط 2022، تحوّلت الحرب تدريجياً من محاولة حسمٍ عسكري سريع إلى مواجهة استنزاف طويلة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. فروسيا، التي أخفقت في تحقيق أهدافها الأولى بالسرعة المتوقعة، نجحت في تثبيت سيطرتها على أجزاء واسعة من الأراضي الأوكرانية. وأوكرانيا، التي استطاعت المحافظة على دولتها ومؤسساتها بدعمٍ غربي، لم تتمكن من استعادة جميع أراضيها المحتلة.
أما الولايات المتحدة، فانتقلت مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض من سياسة دعم كييف في مواجهة موسكو إلى مقاربة أكثر تركيزاً على التفاوض وتقاسم الأعباء والمصالح. وجاء التطور الأبرز في 10 تشرين الأول الجاري، حين دعا ترامب صراحةً إلى اختيار قيادة أوكرانية جديدة تستطيع التوصل إلى اتفاق مع روسيا، بعد يومٍ من إعلانه تفاهمًا مع موسكو بشأن إمدادات الديزل وتخفيف القيود المرتبطة بها.
وهنا تكمن أهمية التوقيت، فالخلاف لم يعد محصوراً بشروط السلام، بل امتدّ إلى هوية الطرف الأوكراني الذي ينبغي أن يوقّعه!
ترامب والرؤساء الذين يعترضون طريقه
لا يمكن قراءة موقف ترامب بمعزل عن أسلوبه في إدارة العلاقات الدولية، حيث يحتل الضغط الشخصي والاقتصادي موقعاً متقدماً في أدوات التفاوض. ففي عام 2019، ارتبط اسمه بأزمة سياسية كبرى بسبب اتصاله بزيلينسكي وطلبه تحقيقات تتصل بمنافسه جو بايدن، وهي القضية التي أفضت إلى أول محاكمة برلمانية لعزله.وفي عام 2018، انسحب من الاتفاق النووي الإيراني وأعاد فرض العقوبات القصوى على طهران، محاولاً انتزاع اتفاقٍ بشروط مختلفة. وفي علاقته بكوريا الشمالية، انتقل من التهديدات الحادة تجاه كيم جونغ أون إلى قممٍ مباشرة معه، من دون أن يفضي ذلك إلى تسوية نهائية للملف النووي.
هذه السوابق لا تعني أن ترامب قادرٌ على إزاحة رئيس دولة أخرى، لكنها تُظهر نمطاً تفاوضياً يجمع بين التصعيد وإعادة فتح قنوات الحوار، وبين الضغط على الأشخاص والتفاوض على المصالح. والفارق أن زيلينسكي ليس خصماً تقليدياً لواشنطن، بل رئيس دولة تعتمد بدرجة كبيرة على دعمها العسكري والسياسي.
بوتين... أي انتصار يبحث عنه؟
انتُخب فلاديمير بوتين في آذار 2024 لولاية رئاسية تمتد حتى عام 2030، ويتيح له الإطار الدستوري الروسي الحالي الترشح مجدداً، بما قد يمدّد حكمه حتى عام 2036. وهنا يبرز سؤالٌ جوهري، هل يستطيع بوتين إنهاء حربٍ كلّفت روسيا أثماناً بشرية واقتصادية وسياسية باهظة، من دون تقديم حصيلة يستطيع وصفها أمام الداخل الروسي بأنها انتصار؟
تُظهر المواقف الروسية المتكررة تمسّك موسكو بمطالب إقليمية وأمنية، وفي مقدمتها وضع دونباس ومستقبل انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. كما لم تُبدِ القيادة الروسية، حتى الآن، استعداداً واضحاً للتراجع عن أهدافها الأساسية. ومن منظور العلاقات الدولية، لا يُقاس الانتصار بالمساحات المحتلة وحدها، بل أيضاً بالقدرة على تحويل المكاسب العسكرية إلى اعترافات سياسية وترتيبات أمنية مستدامة.
وعليه، يمكن فهم السعي الروسي إلى تسويةٍ تُكرّس بعض المكاسب الميدانية وتحدّ من اندماج أوكرانيا في المنظومة العسكرية الغربية، باعتباره محاولةً لتحويل الحرب إلى إنجازٍ استراتيجي. لكن ما تعتبره موسكو انتصاراً قد تعتبره كييف تنازلاً عن سيادتها، وهو التناقض الذي يعطّل التسوية.
بين القانون الدولي وواقعية المصالح
من الناحية القانونية، يظلّ مبدأ حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، المنصوص عليه في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، أساساً لا يمكن تجاوزه. كما أن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، يضعان حدوداً قانونية لأي اتفاق يُفرض تحت وطأة الاحتلال.
أما تغيير الرئيس الأوكراني، فيبقى مسألة دستورية داخلية لا يملك رئيس دولة أجنبية سلطة تقريرها. وتثير الانتخابات أثناء الأحكام العرفية والحرب إشكاليات قانونية وأمنية حقيقية، لا تختزل بمجرد مطالبة واشنطن بإجرائها.
غير أن التاريخ يُظهر أن التسويات الكبرى لم تكن دائماً انعكاساً خالصاً للمبادئ القانونية. ففي مؤتمر ميونيخ عام 1938، جرى الاتفاق على اقتطاع أراضٍ من تشيكوسلوفاكيا من دون مشاركتها الفعلية في القرار، تحت عنوان تجنّب الحرب. ولم يمنع الاتفاق اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وفي اتفاقات باريس عام 1973، انسحبت الولايات المتحدة من حرب فيتنام ضمن تسويةٍ لم تضمن استمرار النظام الذي كانت تدعمه في سايغون، والذي انهار عام 1975.
لكن تجربة اتفاق دايتون عام 1995 تُظهر، في المقابل، أن التسويات الدولية تستطيع وقف الحروب عندما تقترن بترتيبات تنفيذية وضمانات أمنية، وإن تركت وراءها تناقضات سياسية عميقة.
والدرس أن إنهاء القتال لا يعني بالضرورة معالجة أسباب النزاع.
هل أصبح زيلينسكي ثمن التسوية؟
يمكن تفسير دعوة ترامب إلى استبدال زيلينسكي بثلاثة أبعاد متداخلة. أولها، الضغط على القيادة الأوكرانية لقبول تنازلات ترفضها حتى الآن، خصوصاً في المسائل الإقليمية. وثانيها، محاولة فصل مستقبل العلاقة الأميركية - الروسية عن استمرار الحرب، وفتح مجالات تعاون اقتصادي تتجاوز الملف الأوكراني. أما ثالثها، فهو الاعتبارات الأميركية الداخلية، ولا سيما أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بعدما ربط ترامب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية باضطرابات إمدادات الوقود.
ومع ذلك، فإن التقارب بين واشنطن وموسكو لا يعني وجود اتفاق شامل بينهما. كما أن اعتراض العواصم الأوروبية على تجاوز كييف يمنح زيلينسكي هامشاً سياسياً لا يمكن تجاهله. وقد جدّدت بريطانيا تأكيد دعمها للرئيس الأوكراني وحق الأوكرانيين في اختيار قيادتهم.
أربع فرضيات أمام المنعطف
يمكن رسم أربعة مسارات أولية، من دون الجزم بأيٍّ منها:
الفرضية الأولى، تسويةٌ على حساب زيلينسكي. يتزايد الضغط الأميركي لإجراء انتخابات أو تشكيل قيادة جديدة تقبل بتنازلات سياسية وإقليمية، شرط توافر ظروف دستورية وأمنية تسمح بذلك.
الفرضية الثانية، سلامٌ مؤقت يؤجّل الحرب. يُجمّد القتال على خطوط التماس من دون حلّ نهائي لقضايا السيادة والحدود والضمانات، فتتحول الهدنة إلى صراعٍ معلّق.
الفرضية الثالثة، تصعيدٌ يسبق التفاوض. يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه الميداني قبل الجلوس إلى الطاولة، فتؤدي الدبلوماسية، بصورة مفارقة، إلى زيادة العمليات العسكرية.
الفرضية الرابعة، إعادة تشكيل التوازنات الدولية. يتعمّق الحوار الأميركي - الروسي، فيما تتحمل أوروبا مسؤوليات أمنية أكبر، وتصبح أوكرانيا اختباراً لاستقلال القرار الأوروبي.
من يوقّع السلام... ومن يدفع ثمنه؟
ليست دعوة ترامب إلى تغيير زيلينسكي دليلاً قاطعاً على اقتراب نهاية الحرب، لكنها مؤشرٌ سياسيّ مهم على احتمال انتقال الضغط الأميركي من موسكو إلى كييف. فبوتين يبحث عن تسويةٍ يمكن تقديمها بوصفها تحقيقاً لأهداف الحرب، وترامب يريد اتفاقاً ينسجم مع أولوياته السياسية والاقتصادية، فيما يتمسك زيلينسكي بضمانات تحول دون تحوّل السلام إلى استسلامٍ مؤجّل.
ويبقى السؤال، هل تستطيع القوتان الكبيرتان صياغة سلامٍ لأوكرانيا من دون موافقة أوكرانيا؟
قد تستطيعان تغيير موازين الضغط، لكنهما لا تستطيعان، بمجرد التفاهم، إلغاء حق الدولة الأوكرانية في تقرير مستقبلها.
فالتاريخ لا يحكم على اتفاقات السلام بعدد التواقيع التي تحملها، بل بقدرتها على منع الحرب التالية.
المصدر : Transparency News








