هل نقل حزب الله معركته إلى الداخل اللبناني؟ العقارات تحت ضغط الأزمة الاقتصادية
منذ 59 دقيقة
يبدو أن حزب الله، وفق قراءة سياسية لما يجري في عدد من المناطق اللبنانية، قد نقل جزءاً من معركته مع إسرائيل إلى الداخل اللبناني، ولكن هذه المرة بأساليب مختلفة، لا تقوم بالضرورة على المواجهة العسكرية، بل على استغلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعاني منها غالبية الشعب اللبناني، من مختلف الطوائف والمناطق.
ففي ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان، يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام خيارات صعبة، إذ بات تأمين لقمة العيش وتسديد الأقساط المدرسية والجامعية وتلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة أمراً مرهقاً. وأمام هذه الضغوط، يضطر بعض أصحاب العقارات إلى بيع أملاكهم أو تأجيرها، ليس رغبةً منهم في التخلي عنها، بل نتيجة حاجتهم الماسة إلى المال.
وهنا تبرز مخاوف وتساؤلات بشأن استغلال هذه الظروف من قبل جهات سياسية أو أشخاص محسوبين عليها، بهدف شراء الأراضي والمنازل أو استئجارها، مستفيدين من النفوذ السياسي أو العلاقات مع بعض البلديات والمسؤولين المحليين. وقد طُرحت في هذا السياق مخاوف وشكاوى تتعلق بمناطق عدة، منها حي السلم ونهر الغدير ودوحة عرمون وحي العمروسية في الشويفات والحدث وصيدا وغيرها من المناطق اللبنانية.
كما يتداول بعض الأهالي روايات عن استئجار منازل من دون إشغالها فعلياً، ودفع بدلات إيجار مرتفعة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الغاية من هذه العقود والجهات المستفيدة منها. وإذا ثبت أن بعض هذه العمليات يندرج ضمن مخططات منظمة لتغيير الواقع العقاري أو فرض نفوذ سياسي واجتماعي في مناطق معينة، فإن ذلك يستدعي تحقيقاً جدياً وشفافاً من الجهات المختصة.
ولم تأتِ التحذيرات من مخاطر بيع الأراضي والعقارات في بعض المناطق من فراغ، إذ سبق أن عبّر أهالٍ وفعاليات محلية عن قلقهم من التحولات التي قد تشهدها قراهم ومدنهم. لكن المشكلة تكمن في أن المواطن الذي يريد الحفاظ على منزله وأرضه قد يجد نفسه عاجزاً عن الصمود أمام الضغوط المالية، فيضطر إلى البيع لتأمين مستقبل عائلته، فيما قد يمتلك الطرف الآخر إمكانات مالية أكبر تسمح له بالشراء والتوسع.
ومن هنا، يبرز السؤال الأساسي: من يتحمل مسؤولية ما يجري؟ هل هي الأحزاب التي تستفيد من حاجة المواطنين؟ أم الدولة التي لم تنجح في توفير الحماية الاقتصادية والقانونية الكافية لهم؟ أم المواطن الذي يجد نفسه محاصراً بين أزماته المعيشية والخوف على مستقبل أملاكه؟
وفي هذا السياق، تُثار تساؤلات بشأن الأموال التي يتلقاها حزب الله من إيران، وحجمها ومصادر دخولها إلى لبنان والجهات التي تتولى إدارتها. وقد جرى تداول معلومات عن تحويلات مالية تتجاوز مئتي مليون دولار، لكن هذه الأرقام تحتاج إلى مصادر موثوقة تؤكدها. والسؤال الذي يستحق الإجابة هو: أين تذهب هذه الأموال، وفي أي مجالات تُصرف، وهل يُستخدم أي جزء منها في شراء العقارات أو تمويل أنشطة داخلية؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب معلومات موثقة وتحقيقاً جدياً، لا الاكتفاء بالتكهنات.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل المخاطر التي قد تترتب على أي تصعيد عسكري جديد. فإذا اتسعت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، أو دخلت أطراف إقليمية أخرى على خط الصراع، فقد تتعرض قرى جنوبية ومناطق لبنانية إضافية للدمار والتهجير، وقد تجد الضاحية الجنوبية لبيروت نفسها أمام موجات نزوح جديدة. وعندها، أين سيذهب الأهالي؟ هل إلى القرى والمدن المجاورة، أم إلى مناطق لم يسبق أن أقاموا فيها؟
هنا تكمن أهمية الاستعداد منذ الآن، لا بعد وقوع الكارثة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الحروب لا تنتهي آثارها بمجرد توقف إطلاق النار، بل تمتد إلى الاقتصاد والسكن والعلاقات الاجتماعية وحقوق الملكية، وقد تترك وراءها نزاعات يصعب حلها لسنوات طويلة.
وقد تحدث بعض أصحاب العقارات عن مشكلات واجهوها في استعادة أملاكهم بعد انتهاء عقود الإيجار، حتى مع اللجوء إلى القضاء، فيما يقول آخرون إنهم تعرضوا لضغوط وتهديدات دفعتهم إلى مغادرة أملاكهم خوفاً على سلامة عائلاتهم. وهذه الوقائع، حيثما وُجدت، تستوجب التحقيق والمحاسبة، لأن حق الملكية الخاصة وحق اللجوء إلى القضاء يجب أن يكونا مصونين لكل مواطن، بعيداً عن الانتماء السياسي أو الطائفي.
ولا تقتصر المخاوف على الملكية العقارية وحدها، بل تمتد إلى البناء المخالف والتعدي على الأملاك العامة ومجاري المياه والمشاعات. وقد أثارت التعديات العمرانية في بعض المناطق، ومنها محيط مجرى نهر الغدير، مخاوف تتعلق بالسلامة العامة والفيضانات التي تتكرر مع هطول الأمطار. فحين تُهمَل مجاري المياه أو تُعرقل بسبب التعديات، لا تكون النتائج مجرد مخالفة عقارية، بل قد تتحول إلى خطر يهدد أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
كذلك، فإن وجود بؤر خارجة عن القانون أو نشاطات مرتبطة بتجارة المخدرات أو غيرها من الجرائم، إن ثبتت، يفرض على الدولة مسؤولية التحرك وملاحقة المتورطين من دون استثناء. وقد شهد اللبنانيون في السنوات الماضية نقاشاً واسعاً حول قدرة القوى الأمنية على دخول مناطق معينة وإنفاذ القانون فيها. أما اليوم، فإن المطلوب هو تطبيق القانون على الجميع، وإعادة الاعتبار إلى سلطة الدولة ومؤسساتها، لا أن تبقى بعض المناطق خاضعة لنفوذ أي حزب أو جهة.
إن ملاحقة المخالفين لا يجوز أن تكون انتقائية أو مرتبطة بظروف سياسية مؤقتة، كما لا ينبغي أن تتوقف عندما تتغير الحسابات أو تتبدل التحالفات. فالدولة القوية هي التي تحمي المواطن من الاعتداء على ملكيته، وتمنع استغلال حاجته، وتضمن المساواة أمام القانون، سواء كان المعتدي محسوباً على حزب نافذ أو جهة سياسية أخرى.
ومن هنا، نكرر التحذير من خطورة تحويل الأزمة الاقتصادية إلى وسيلة للتوسع العقاري أو فرض النفوذ السياسي. لكن الحذر المطلوب يجب أن يقوم على معلومات موثوقة ومعايير قانونية واضحة، لا على التعميم بحق طائفة أو منطقة أو كل من ينتمي إلى بيئة سياسية معينة. فالمسؤولية تقع على الأفراد والجهات التي يثبت تورطها في مخالفات، وليس على الناس بسبب هويتهم أو انتمائهم وحدهما.
لذلك، ندعو أصحاب الأراضي والمنازل إلى التحقق من هوية المستأجرين والمشترين، والاستعانة بمحامين قبل توقيع العقود، وتوثيق عمليات البيع والإيجار وفق الأصول القانونية، وعدم السماح لأي شخص باستخدام اسمه أو ملكيته لإخفاء المستفيد الحقيقي من الصفقة. كما ندعو البلديات والجهات الرسمية إلى مراقبة المخالفات العقارية والعمرانية، والتحقيق في الشكاوى، ونشر المعلومات التي تسمح للرأي العام بفهم ما يجري بعيداً عن الشائعات.
إن حماية الأرض والمنزل ليست معركة طائفية، بل مسؤولية وطنية وقانونية. ومن حق كل لبناني أن يعيش في منطقته بأمان، وأن يحتفظ بملكيته من دون ضغط أو تهديد، وأن يبيع أو يؤجر بإرادته الحرة، لا تحت وطأة الحاجة أو الخوف.
أما الدولة، فعليها أن تتحرك قبل فوات الأوان، لأن ترك المواطن وحيداً في مواجهة الانهيار الاقتصادي والنفوذ السياسي قد يؤدي إلى نزاعات اجتماعية وعقارية يصعب احتواؤها لاحقاً. ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل ستتحمل الدولة مسؤوليتها في حماية الأملاك الخاصة ومحاسبة كل من يخالف القانون، أم سنبقى ننتظر حتى تتحول هذه المخاوف إلى أزمة وطنية جديدة؟
المصدر : Transparency News







