في وقت يحاول فيه لبنان التعافي من جولة القتال الأخيرة، وترميم ما خلّفته من نزوح ودمار وخسائر، تتزايد المخاوف من أن تكون البلاد أمام محاولة جديدة لجرّها إلى مواجهة أخرى مرتبطة بحسابات إقليمية لا تُصنع في بيروت.


المشكلة هنا ليست في الشعارات، بل في الثمن. أي جولة جديدة لن تبقى محصورة في الحسابات العسكرية والسياسية، بل ستصل مباشرة إلى القرى والبيوت والناس الذين دفعوا كلفة الجولة السابقة.

وهنا تبرز مسؤولية نبيه بري والقيادة اللبنانية.

لم يعد مقبولاً التعامل مع احتمال اندلاع حرب جديدة بالغموض أو الصمت. المطلوب موقف واضح يقول إن لبنان لا يمكن أن يُجر مرة أخرى إلى مواجهة لا يقررها من خلال مؤسساته الشرعية، ولا يعرف مسبقاً أين تبدأ ولا كيف تنتهي.

التحالفات السياسية يفترض أن تحمي مصالح اللبنانيين، لا أن تتحول إلى غطاء يسمح لطرف واحد باتخاذ قرارات تضع البلد بأكمله أمام نتائج قد تكون كارثية. وبعد كل ما حصل، لم يعد الصمت يُفهم على أنه حكمة أو تريث. في لحظة كهذه، قد يتحول الصمت ببساطة إلى ضوء أخضر لجولة جديدة.

أما الحديث عن التعويضات، فيجب أن يُقاس بحجم الخسائر الفعلية لا بحجم الإعلان السياسي عنها. فإذا كانت الأضرار تُقدّر بمليارات الدولارات، فإن مبلغاً في حدود 200 مليون دولار لا يمكن التعامل معه باعتباره مشروعاً حقيقياً لإعادة الإعمار. إعادة بناء البيوت والقرى واستعادة مصادر الرزق تحتاج إلى خطة متكاملة، لا إلى مبالغ محدودة تُدفع بينما يبقى خطر الحرب قائماً.

المشكلة ليست فقط في حجم المال، بل في المنطق نفسه. لا معنى لتعويض الناس عن بيوتهم اليوم إذا كانوا قد يجدون أنفسهم غداً أمام جولة جديدة تهدم ما أعيد بناؤه.

لهذا تحتاج الدولة اللبنانية إلى رسم خط واضح.

قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد المؤسسات الشرعية وحدها. وإذا اختار أي طرف الانخراط في حرب إقليمية من خارج قرار الدولة، فمن واجب القيادة اللبنانية أن تعلن مسبقاً موقفها، وأن توضح كيف ستتعامل مع خطوة كهذه.

الصمت هنا ليس حياداً.

لبنان لا يحتمل حرباً بالوكالة أخرى، ولا يحتمل دورة جديدة من النزوح والدمار والتعويض ثم العودة إلى النقطة نفسها.

المطلوب اليوم ليس خطاباً إضافياً، بل قرار واضح: لا جولة جديدة تُفرض على لبنان، ولا تعويضات شكلية تحل مكان إعادة الإعمار الحقيقية، ولا سلاح يملك وحده حق تقرير الحرب خارج مؤسسات الدولة.

لبنان يحتاج إلى خط أحمر واحد يفهمه الجميع: لا أحد يملك حق أخذ البلد إلى الحرب منفرداً، ولا أحد يملك حق تحميل اللبنانيين مرة أخرى ثمن قرار لم يشاركوا في اتخاذه.


المصدر : Transparency News