وصفت مصادر مطلعة الكلام الذي أدلى به رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في ذكرى 13 تشرين الأول بأنه "معيب ومليء بالمغالطات والتضليل"، معتبرة أن استغلال ذكرى وطنية أليمة لتصفية الحسابات السياسية ورمي المسؤوليات على الآخرين يشكّل هزيمة سياسية وأخلاقية جديدة لباسيل وتياره، ويعكس حجم المأزق الذي يعيشه فريق اعتاد التنصّل من مسؤولياته والبحث عن شماعات يعلّق عليها إخفاقاته المتراكمة.


ورأت المصادر أن المفارقة تكمن في أن باسيل، الذي بات عنواناً للانقلاب على الاتفاقات والتنصّل من الالتزامات، يحاول تقديم نفسه في موقع من يحاسب الآخرين على أحداث تاريخية كان فريقه السياسي أحد أبرز المسؤولين عن نتائجها الكارثية.
وسألت: "هل نسي صهر من قاد حروباً مدمّرة ما قدّمته القوات اللبنانية من مساندة عسكرية للجيش اللبناني خلال حرب التحرير، بعدما اتخذ ميشال عون قرار فتح مواجهة عسكرية غير مدروسة، كانت كلفتها باهظة على اللبنانيين، ولا سيما المسيحيين؟"
وأضافت أن "عون، الذي وصِفَ بـ"خديعة العصر"، أدخل المناطق المسيحية في دوامة من الدمار والتهجير والخسائر البشرية، قبل أن تنتهي مغامرته العسكرية إلى نتائج تناقض الشعارات التي رفعها". ولفتت إلى أن عون، الذي عارض اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية المنبثقة عنه باسم الشرعية حين كان في بعبدا عام 1989، عاد إلى القصر الجمهوري عام 2016 بموجب "الطائف" نفسه، وبدعم مباشر من اللاشرعية المتمثلة بحزب الله.
وتابعت المصادر: "الأخطر أن الفريق الذي بنى خطابه على رفض الوصاية السورية انتهى إلى تفاهمات وتحالفات معها ومع القوى التي شكّلت امتداداً لنفوذ النظام الأسد والإيراني في لبنان، مقابل الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها. فأيّ صدقية تبقى لمن يتحدث عن السيادة والاستقلال بعدما أمّن الغطاء السياسي للسلاح غير الشرعي طوال سنوات؟"

من 17 تشرين إلى العقوبات الأميركية… من يحاسب من؟

وتوقفت المصادر عند محاولة باسيل إعادة تفسير الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 17 تشرين الأول 2019، معتبرة أن "الهتافات التي استهدفته لم تأتِ من فراغ، ولم تكن مجرد حملة افتراء كما يحاول الإيحاء، وإنما عبّرت عن غضب شعبي واسع من منظومة الحكم والفساد والمحاصصة وسوء الإدارة الذي كان باسيل وجهها الأبرز"
وأضافت: "يكفي التذكير بالعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على باسيل في تشرين الثاني 2020، بموجب قانون ماغنيتسكي، على خلفية اتهامات أميركية تتعلق بالفساد، ليتبيّن أن الأسئلة حول أدائه لم تكن مجرد شعارات أطلقها المتظاهرون آنذاك"
واعتبرت المصادر أن باسيل، الذي عمل على التمديد لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، يحاول اليوم التبرؤ من مسؤولياته عن الانهيار المالي والمصرفي، وإلقاء كامل المسؤولية على الآخرين، متناسياً موقعه السياسي والوزاري داخل منظومة الحكم التي سبقت الانهيار.
وسألت: "كيف يمكن لمن كان جزءاً أساسياً من السلطة، وشريكاً في القرارات والتسويات والتعيينات، أن يتصرّف اليوم وكأنه كان خارج الحكم؟ وكيف يمكن لفريق أمسك بملف الكهرباء لسنوات طويلة أن يتنصّل من مسؤوليته عن أحد أبرز مصادر استنزاف المالية العامة؟"

 

الكهرباء… خمسة عشر عاماً من الوعود والنتيجة عتمة

وخصّصت المصادر جانباً أساسياً من تعليقها لملف الكهرباء، الذي اعتبرته "الشاهد الأكبر على فشل التجربة السياسية والإدارية لباسيل وفريقه"
وقالت: "أين الكهرباء التي وعدتم اللبنانيين بتأمينها 24 ساعة على 24 بحلول عام 2015؟ أين ذهبت الخطط والمؤتمرات والوعود؟ وكيف يمكن لفريق تولّى وزارة الطاقة، طوال خمسة عشر عاماً، أن يتحدث عن الإصلاح فيما بقي اللبنانيون أسرى العتمة والمولدات الخاصة؟"
وأشارت إلى أن السلفات التي حصل عليها قطاع الكهرباء عبر السنوات بلغت عشرات مليارات الدولارات، فيما لم يتمكّن فريق باسيل الذي أدار الوزارة من تحقيق التحوّل الموعود في الإنتاج والتغذية والاستدامة المالية.
وأضافت: "لم يمنعكم أحد من النجاح كما تزعمون. كانت السلفات متاحة، والدعم الحكومي قائماً، والوزارة في عهدتكم لسنوات. لكنكم أخفقتم في الإدارة والتنفيذ، وأهدرتم الفرص المتاحة لإصلاح القطاع، وتمسّكتم بخطط مركزية لم تحقق النتائج التي وعدتم بها"
وتابعت: "شهد اللبنانيون في سنوات حكمكم طوابير الذل أمام محطات المحروقات، وانقطاعات شاملة للتيار الكهربائي، وتراجعاً غير مسبوق في التغذية. وعندما انتهت سيطرتكم السياسية على وزارة الطاقة عام 2025، كانت التغذية لا تتجاوز 3 ساعات يومياً"
وتطرّقت المصادر إلى مشاريع السدود، معتبرة أن "الأسئلة المثارة حول جدواها وكلفتها وطريقة تنفيذها تستوجب تدقيقاً جدياً وشفافاً"، مشددة على ضرورة المضي في التدقيق الجنائي في ملفات قطاع الطاقة، وتحديد المسؤوليات على أساس المستندات والوقائع.
وقالت: "من رفع شعار "ما خلّونا" كان يتمسّك في الوقت نفسه بالحقيبة الوزارية وبمفاصل القرار. فكيف يُمنع فريق من العمل طوال خمسة عشر عاماً، فيما يصرّ على البقاء في الوزارة ويدافع عن أدائه وخططه؟ ولماذا؟

اتفاق معراب… من انقلب على توقيعه؟

وفي معرض ردّها على اتهامات باسيل للآخرين، أعادت المصادر التذكير باتفاق معراب، متسائلة: "من وقّع الاتفاق ثم تنصّل من التزاماته؟ من استفاد من التفاهم المسيحي للوصول إلى رئاسة الجمهورية، ثم انقلب على الشراكة التي مهّدت لهذا الوصول؟"
واعتبرت أن باسيل لا يستطيع تقديم دروس في الوفاء للاتفاقات السياسية، بعدما شكّل تعاطيه مع اتفاق معراب، بحسب المصادر، نموذجاً للانقلاب عند انتهاء الحاجة السياسية إليها. وأضافت: "لقد استُخدم الاتفاق للوصول إلى بعبدا، ثم جرى تفريغه من مضمونه. 

الجيش اللبناني: بين الشعارات وتغطية السلاح غير الشرعي

واستغربت المصادر لجوء باسيل إلى استحضار الجيش اللبناني في خطاباته، معتبرة أن "من يريد الدفاع عن الجيش عليه أولاً أن يدافع عن احتكاره الشرعي للسلاح وعن سلطته الحصرية على كامل الأراضي اللبنانية".
وقالت: "كيف لمن أمّن الغطاء السياسي لسلاح حزب الله على مدى نحو عقدين أن يقدّم نفسه مدافعاً عن المؤسسة العسكرية؟ وكيف لمن برّر وجود قوة مسلحة خارج الدولة، وروّج لمعادلات أمنية تنتقص من حصرية القرار العسكري، أن يتحدث عن هيبة الجيش وسيادته؟"
وأضافت: "إن أكثر ما أضعف موقع الجيش والدولة هو استمرار وجود سلاح غير شرعي يحظى بحماية سياسية. وهذا الغطاء الذي وفّره التيار الوطني الحر لحزب الله شكّل أحد أبرز أسباب تعطيل قيام الدولة القادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها".

وعادت المصادر إلى أحداث 13 تشرين الأول 1990، معتبرة أن "من ترك جنوده يواجهون مصيرهم في المعركة، فيما انتهى به الأمر إلى اللجوء إلى السفارة الفرنسية ثم المنفى الباريسي، لا يستطيع أن يحتكر الحديث عن التضحية العسكرية أو أن يستخدم الجيش أداة لتصفية الحسابات السياسية."
وتابعت: "لقد بدّل هذا الفريق تحالفاته ومواقفه تبعاً لمقتضيات السلطة والمناصب والحقائب الوزارية والحسابات الانتخابية، فيما دفع اللبنانيون ثمن هذه الخيارات من سيادتهم واستقرارهم ومؤسساتهم"

السقوط السياسي المستمرّ

وختمت المصادر ردّها بالقول: "إن التيار الذي راكم الإخفاقات في الحكم والإدارة، وغطّى السلاح غير الشرعي، وانقلب على تفاهماته، لا يملك الأهلية السياسية لتعيير الآخرين بممارسات كان هو من أبرز من احترفها".
وأضافت: "كان الأجدى بجبران باسيل، في ذكرى 13 تشرين، أن يجري مراجعة نقدية صريحة لتجربة تياره، وأن يسأل عن المسؤوليات والخيارات التي أوصلت اللبنانيين إلى ما وصلوا إليه، عوضاً عن إعادة إنتاج خطاب المظلومية والاتهامات والتضليل."
واعتبرت أن "تراجع حضور التيار الوطني الحر في عدد من الاستحقاقات الطلابية والسياسية يعكس أزمة ثقة متنامية، بعدما سقطت شعارات الإصلاح والتغيير أمام تجربة الحكم الفعلية."
وختمت: "استتر يا جبران، وابحث عن خطاب سياسي جديد ينقذك من إرث الفشل والتناقضات. فالتاريخ لا يُمحى بالصراخ، والوقائع لا تتبدّل بتزوير الروايات. أما اللبنانيون، وخصوصاً الأجيال الجديدة، فقد باتوا أكثر قدرة على التمييز بين من يرفع شعارات السيادة والإصلاح ومن يلتزم بها فعلاً. ولعلّ أفضل ما يمكن أن يقدّمه هذا الفريق للبنان هو أن يكفّ عن تحميل الآخرين نتائج خياراته، وأن يتحمّل أخيراً مسؤولية ما فعله حين كان في السلطة، وأن يستعدّ للخروج التدريجي من الحياة السياسية التي تحتاج الى تيارات وأحزاب سياسية تعمل بعكس "تيار باسيل".