من السهل أن ترفع صوتك على حزب الله بعدما تراجعت قوته. الأصعب أن تواجهه حين كان فائض سلاحه يفرض الصمت، وحين كانت التسويات تُعقد على حساب الدولة، ويُطلب من اللبنانيين أن يتعاملوا مع مصادرة بلدهم كأنها قدر. هناك يُقاس الموقف. وهناك تُعرف قيمة ميشال المرّ والـMTV.


السيادة ليست عبارة تُضاف إلى مقدمة نشرة أخبار عندما تتبدّل الرياح. السيادة قرار له كلفة، وموقف يُختبر تحت الضغط، ومنبر يبقى مفتوحًا حين يصبح إقفاله مطلبًا لأصحاب النفوذ. وبهذا المعنى، احتلت الـMTV موقع رأس الحربة في الدفاع عن لبنان الذي يريد أن يكون دولة، وفي إبقاء القضية السيادية حيّة في الوعي العام.

لهذه المحطة ذاكرة لا يستطيع خصومها محوها بالصراخ، ولا يستطيع المتسلّقون على التحولات السياسية القفز فوقها. في الرابع من أيلول 2002، أُقفلت الـMTV بقرار قضائي استند إلى قانون الانتخابات، في زمن الوصاية السورية. وبقيت شاشتها غائبة أكثر من ست سنوات ونصف، قبل أن تعود إلى البث في نيسان 2009. لم يكن ذلك تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل جرحًا في تاريخ الحريات اللبنانية، وشاهدًا على الثمن الذي دفعته مؤسسة خرجت عن حدود الكلام المسموح.

وقبل الإقفال، كانت كاميرا المحطة حاضرة لتوثيق الاعتداءات على الشباب السياديين في آب 2001. يومها، كانت للصورة وظيفة تتجاوز نقل الخبر: أن تمنع السلطة من دفن ما ترتكبه، وأن تمنح المقموعين شاهدًا حين يحاول القامع احتكار الرواية. كانت الكاميرا تواجه الهراوة، وكان بثّ الحقيقة يفضح سلطة أرادت إخضاع الشارع وإذلال المعترضين عليه.

هذا تاريخ لا يُمحى بمنشور حاقد، ولا تُلغي حملة شتائم، ولا يحق لمن صمتوا أمام القمع أن يتعاملوا معه كأنه لم يكن.

من هنا تأتي أهمية ميشال المرّ. فقد فهم أن امتلاك مؤسسة إعلامية يحمّل صاحبها مسؤولية تتجاوز الحسابات التجارية. فالمال الذي يُستثمر في شاشة تستطيع قول ما يخشى آخرون قوله، يتحوّل إلى مساحة حرية. والاستمرار في بناء هذه الشاشة، وتطويرها، وفتح هوائها أمام المدافعين عن الدولة وحصرية السلاح واستقلال القرار، يترك أثرًا في معركة البلد على هويته ومستقبله.

لم تكن قيمة هذا الخيار في رفع السقف الكلامي وحده، بل في توفير مؤسسة قادرة على حمله والاستمرار فيه. فمن السهل إطلاق موقف ثم الانسحاب، أما إبقاء المنبر مفتوحًا وتحمل تبعاته السياسية والمهنية والمالية، فتلك مسؤولية أثقل بكثير من بطولة عابرة على مواقع التواصل.

وحين خضعت مؤسسات دستورية للتعطيل والمساومات وضغط السلاح، بقيت للكلمة الحرة قدرة على فضح ما يجري. لم يكن في مقدور التلفزيون أن يحلّ محل الدولة، لكنه استطاع أن يمنع تغييبها من وجدان الناس. أبقى السؤال حاضرًا: بأي حق يقرّر تنظيم مسلّح عن اللبنانيين؟ وبأي تفويض تُربط حياتهم وحروبهم ومصالحهم بحسابات الخارج؟ ومن أعطى حزب الله وكالة مفتوحة ليتصرّف بلبنان كأنه ملكية خاصة، وباللبنانيين كأنهم رعايا في مشروعه الإيراني؟

هذا هو التوازن الذي ساهمت الـMTV في حمايته: ألا يستأثر السلاح بالرواية كما يستأثر بالقرار، وألا يتحوّل الخوف إلى إجماع وطني مزعوم، وألا يُترك السياديون يتحدثون بعضهم إلى بعض خلف أبواب مغلقة. فقد كان أخطر ما يحتاج إليه مشروع الهيمنة أن يقتنع اللبنانيون بأنهم وحيدون، وأن الاعتراض عبث، وأن الخضوع هو الواقعية الوحيدة المتاحة.

ولميشال المرّ بصمة أخرى لا يجوز اختزالها بالموقف السياسي. في الصورة والإنتاج والإخراج والبرامج، قدّمت الـMTV نموذجًا طموحًا للإعلام اللبناني. وضعت جودة الشاشة في صلب المنافسة، وجمعت بين الخبر والسياسة والثقافة والترفيه، وقدّمت لبنان بوصفه بلدًا قادرًا على الإبداع والحياة.

وهذه أيضًا معركة على هوية وطن يريد البعض اختصاره بالجبهة والحرب والتعبئة الدائمة. فالشاشة التي تفتح نافذة على الفن والثقافة والجمال والنجاح تدافع عن حق اللبنانيين في حياة طبيعية. وتطوير الإعلام، ورفع مستوى إنتاجه وتقديمه، استثمار في صورة لبنان وقدرته على البقاء حاضرًا، بدل إغراقه في الرداءة والصراخ والتحريض.

أما الذين اكتشفوا اليوم جرأة مهاجمة حزب الله، فمرحبًا بكل مراجعة تعيد أصحابها إلى الدولة. لكن المراجعة تبدأ بالاعتراف بالموقف السابق، وبالتوقف عن إعطاء الدروس لمن دفعوا ثمن مواقفهم قبل أن تصبح المواجهة أقل كلفة.

لا تمنح التحولات أصحابها حق توزيع شهادات الشجاعة، ولا تتيح لمن التحق بالمواجهة متأخرًا أن يشطب سجل من تحمّل أعباءها في أصعب مراحلها. ومن أمضى سنوات يبرّر للسلاح، أو يهادن الوصاية، أو يصمت عن مصادرة القرار الوطني، لا يستطيع غسل ذلك كله ببضع عبارات مرتفعة النبرة.

ليست «المرجلة» أن تهاجم حزب الله بعدما ضعف. المرجلة أن تواجهه حين كان قادرًا على فرض شروطه، وحين كان الاعتراض على خياراته يستدعي التخوين والتهديد. والشجاعة تُقاس بحجم الخطر ساعة اتخاذ الموقف، لا بارتفاع الصوت بعد انحساره. أما محاولة تحقير من سبقوا إلى المواجهة، فلا تصنع للمتأخرين تاريخًا؛ إنها تكشف ضيقهم بتاريخ غيرهم

وفي مواجهة مشروع حزب الله، لا تكفي مراقبة السلاح وحده. فكل مشروع هيمنة يحتاج إلى خطاب يبرّر تجاوزاته، ويجمّل خسائره، ويقدّم اعتراض الناس عليه كأنه خيانة. يحتاج إلى من يسمّي إخضاع الدولة «توازنًا»، وتعطيل مؤسساتها «شراكة»، وزجّ اللبنانيين في الحروب «دفاعًا عنهم».

هنا تتضح خطورة الإعلام الذي يتولى تبييض ممارسات القوة، ويحوّل المنبر إلى وسيلة لإرهاب المعترضين معنويًا. وحين يُقاس الانتماء الوطني بمقدار الولاء للسلاح، تصبح مقاومة هذا الخطاب دفاعًا مباشرًا عن حرية اللبنانيين وحقهم في الاختلاف.

لذلك تكتسب المنابر القادرة على تفكيك خطاب الهيمنة أهمية استثنائية. ولهذا أيضًا يصبح إضعاف صدقيتها، واستنزافها بالحملات، ومحاصرة القائمين عليها، هدفًا سياسيًا يتجاوز الخلاف على خبر أو برنامج. فالمعركة على الـMTV، عندما تستهدف إسكات موقفها السيادي، تمسّ حق جمهور واسع في أن يجد صوته على شاشة لبنانية.

للـMTV أخطاؤها، ولرئيسها مواقف قابلة للنقاش، شأن أي مؤسسة وشخصية عامة. لكن حق النقد يفقد قيمته عندما يتحوّل إلى محاولة لمحو تاريخ كامل أو لتصفية الحساب مع منبر بسبب موقعه السيادي. ومن يملك اعتراضًا مهنيًا فليقدّمه بالوقائع؛ أما الشتيمة فلا تصنع حجة، والضجيج لا يغيّر سجلًا، والحقد لا يتحوّل إلى نقد لمجرّد أن صاحبه يجلس أمام كاميرا

ولا يجوز أن تتحوّل المطالبة بالمهنية إلى ذريعة انتقائية تُشهر في وجه مؤسسة، فيما يُتسامح مع خطاب يبرّر مصادرة الدولة ويستخفّ بحياة اللبنانيين. من يريد محاسبة الإعلام فليبدأ بمعيار واضح يطبّقه على الجميع، وليمتلك شجاعة مساءلة من حوّلوا تبرير السلاح إلى وظيفة يومية.

يستحق ميشال المرّ الاعتراف بما قدّمه للإعلام اللبناني وللقضية اللبنانية. ويستحق العاملون في الـMTV الإنصاف على جهد أبقى هذه المؤسسة حاضرة ومؤثرة. فالوفاء للوقائع يفرض الإقرار بأن هذه الشاشة ساهمت في حماية مساحة واسعة من الحرية، وأن رئيسها استثمر في استمرارها وتطويرها حين كان لبنان يُستنزف تحت وطأة الوصايات والسلاح والأزمات.

لبنان يحتاج إلى ذاكرة عادلة، تحفظ لمن واجهوا زمن الترهيب مكانتهم، وترفض تسليم تاريخ المواجهة لمن يريد إعادة كتابته على قياس مصالحه الجديدة. ومن حق من اختلفوا مع الـMTV أن يناقشوها، لكن ليس من حق أحد أن يطالب اللبنانيين بإنكار ما شاهدوه وعاشوه.

سيبقى الفارق واضحًا بين من تعامل مع السيادة كموقف له ثمن، ومن انتظر حتى انخفض الثمن ليرفع صوته. وفي هذا الفارق تحديدًا، تكمن قيمة ميشال المرّ والـMTV: شاشة أبقت للبنان الحرّ صوتًا، حين كان المطلوب منه أن يصمت.

أما الذين يظنّون أن النيل من ميشال المرّ يمنحهم حجمًا، فليصنعوا أولًا ما يستحق الدفاع عنه. تاريخ المواجهة لا يُنتزع من أصحابه بالشتائم، ولبنان الحرّ لا يحفظه ناكرو الجميل.


المصدر : Transparency News