تتجه المواجهة السياسية بين الحكومة اللبنانية و«حزب الله» نحو مرحلة جديدة، عنوانها اختبار قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها السيادية وفرض سلطتها على الملفات الأمنية. فبعد تعثّر محاولات تعطيل القرارات الحكومية عبر الضغط السياسي والحشد الشعبي، تبرز تحركات ميدانية وتسريبات أمنية ومطالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية، في مشهد يطرح تساؤلات حول أهداف الحزب، ومستقبل الحكومة، واحتمالات إعادة رسم التوازنات السياسية في لبنان.


من تعطيل القرارات إلى اختبار قدرة الدولة

بعدما أخفق «حزب الله» في دفع الحكومة إلى التراجع عن قراراتها السيادية، سواء عبر ربط استئناف الحوار بتلبية شروط مسبقة أو عبر العجز عن حشد الشارع لفرض معادلاته بالقوة، يبدو أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، تقوم على إحراج الحكومة والتشكيك في صدقيتها داخليًا وخارجيًا، وإظهارها بمظهر السلطة غير القادرة على بسط سيادتها وتنفيذ قراراتها.

ولم تعد المعركة، وفق هذه القراءة السياسية، محصورة بالاعتراض على قرارات الخامس والسابع من آب والثاني من آذار، بل باتت تتصل بمحاولة الحد من مفاعيلها وإثبات أن ميزان القوى الذي أفرزته الحرب لم يتغير، وأن الحزب لا يزال قادرًا على التصرف وفق قواعد المرحلة السابقة، رغم التحولات التي فرضتها الحرب والخسائر التي تكبّدها.

ويُقدَّم هذا المسار باعتباره مرحلة ثانية من المواجهة مع الحكم الجديد وتوجهاته السيادية، تختلف أدواتها عن المرحلة الأولى. فبعدما لم تنجح سياسة تعطيل الحوار وفرض الشروط المسبقة في تحقيق أهدافها، انتقل التحدي إلى اختبار قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها على الأرض، من خلال وقائع وتسريبات يُحتمل أن تؤدي إلى إرباك المؤسسات وإثارة الشكوك بشأن فاعلية الإجراءات الحكومية والأمنية.

رواية الـ200 مليون دولار وشحنات الأسلحة والمتفجرات

في هذا السياق، برزت رواية وصول 200 مليون دولار إلى «حزب الله»، وهي رواية يصفها النص الأصلي بأنها غير صحيحة، استنادًا إلى معطيات متداولة تفيد بأن الأموال التي يعتمد عليها الحزب في تحركاته موجودة لديه أصلًا، وأن نشاطه المالي لا يستدعي بالضرورة وصول شحنة جديدة بهذا الحجم.

لكن أهمية هذه الرواية، وفق القراءة السياسية المطروحة، لا تقتصر على مضمونها المالي، بل تتصل بالرسالة التي يمكن توظيفها من خلالها، ومفادها أن الحزب قادر على تأمين موارده ومواصلة نشاطه بمعزل عن القرارات الحكومية.

أما المسألة الأكثر حساسية، فتتعلق بنقل شحنات أسلحة ومتفجرات عبر نقاط وحواجز عسكرية وأمنية، بما يضع الأجهزة المعنية أمام اختبار مباشر لسلطتها ومسؤوليتها.

وفي حال ثبوت المعطيات المتعلقة بهذه الشحنات، فإن القضية ستتجاوز حدود المخالفة الأمنية لتطرح تساؤلات بشأن مدى التزام الحزب بقرارات الدولة، ولا سيما قرار الثاني من آذار المتعلق باعتبار جناحه العسكري والأمني خارجًا عن القانون.

وتكمن الدلالة السياسية المحتملة لهذه الوقائع في محاولة الإيحاء بأن القرارات الحكومية لم تتحول إلى إجراءات نافذة، وأن الحزب لا يزال يتصرف وفق قواعد ما قبل صدورها، في وقت يُفترض أن تكون الدولة قد بدأت مرحلة جديدة في إدارة ملف السلاح والأمن.

استنفار الدراجات النارية والضغط على الحكومة

بالتوازي، يبرز استنفار الدراجات النارية بوصفه وسيلة ضغط ميداني قد تسهم في إعادة إنتاج التوتر الداخلي، بالتزامن مع التسريبات المتعلقة باستنابات قضائية يُقال إنها ترتبط بشحنة المتفجرات.

ويضع الجمع بين التحركات في الشارع والتشكيك في قدرة المؤسسات على فرض القانون الحكومة أمام معادلة دقيقة: إما مواصلة تنفيذ قراراتها وتحمل تبعات التصعيد، وإما التراجع تحت الضغط، بما قد يحوّل القرارات السيادية إلى نصوص تفتقر إلى المفاعيل العملية.

ومن هذا المنطلق، تطرح القراءة السياسية احتمال انتقال المواجهة من ملف السلاح إلى مصير الحكومة نفسها، بعدما تعذّر تحقيق التراجع عن قراراتها عبر الضغط المباشر.

غير أن تقييم هذا الاحتمال يبقى مرتبطًا بالوقائع الميدانية الفعلية، وبما ستكشفه التحقيقات القضائية، وبكيفية تعامل الحكومة والأجهزة الأمنية مع أي تحركات تهدد الاستقرار أو تعرقل تنفيذ القانون.

حكومة الوحدة الوطنية: مشاركة سياسية أم إعادة تركيب للتوازنات؟

في موازاة ذلك، يبرز الترويج لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم القوى غير الممثلة في الحكومة الحالية، باعتباره محاولة محتملة لإعادة تركيب التوازنات السياسية تحت عنوان المشاركة الوطنية.

لكن هذا الطرح يفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل يعني دخول أطراف جديدة إلى الحكومة أنها ستصطف تلقائيًا إلى جانب «حزب الله»، أو تتبنى خياراته في الملفات السيادية؟

فالتعديل الوزاري، في حال حصوله، لا يضمن تغيير وجهة الحكومة، ولا يمنح أي فريق تفويضًا مفتوحًا لفرض إرادته على بقية المكونات. كما أن توسيع المشاركة السياسية لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج الاصطفافات القائمة، إذ قد يؤدي إلى بروز مواقف مختلفة بشأن السلاح ودور الدولة والعلاقات الإقليمية.

وبالتالي، فإن مستقبل أي صيغة حكومية جديدة سيتوقف على طبيعة التفاهمات التي ستنشأ بين القوى المشاركة، وعلى مدى استعدادها للالتزام بقرارات المؤسسات الدستورية والسيادية.

التمثيل الشيعي في لبنان وتداعيات الحرب

تطرح الدعوة إلى إعادة النظر في التمثيل الوزاري، وفق وجهة النظر الواردة في النص، احتمال توسيع المشاركة الشيعية لتشمل أصواتًا لا تجد نفسها ممثلة فعليًا ضمن الهيمنة السياسية لحركة «أمل» و«حزب الله».

وتستند هذه المقاربة إلى وجود شريحة من اللبنانيين الشيعة تضررت مصالحها وسبل عيشها نتيجة الحرب وتداعياتها، وتراجعت أمامها فرص تأمين المسكن والمأكل والتعليم والعمل والعيش الكريم.

ويطرح النص حق هذه الشريحة في التعبير عن أولوياتها داخل مؤسسات السلطة، بعيدًا عن الخيارات السياسية التي يحمّلها الكاتب مسؤولية زج الطائفة في مواجهات مدمرة خدمة لحسابات إقليمية، وفي مقدمتها الحسابات الإيرانية.

وفي هذا السياق، لا يُفترض التعامل مع التمثيل السياسي للطائفة الشيعية باعتباره كتلة واحدة متجانسة، بل بوصفه مجالًا يمكن أن تتباين داخله المواقف والأولويات، خصوصًا في ضوء الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب.

ومن هنا، فإن أي نقاش بشأن إعادة توزيع التمثيل الوزاري قد يتجاوز الحسابات العددية والمواقع الحكومية، ليطال طبيعة الخيارات السياسية التي تعبّر عن مصالح اللبنانيين، ومدى قدرتهم على مراجعتها من خلال المؤسسات الدستورية.

اختبار حصرية السلاح وصدقية الدولة

يتمثل التحدي الأساسي أمام الحكومة اللبنانية في إثبات قدرتها على احتواء التصعيد من دون التراجع عن قراراتها تحت الضغط، وتأكيد أن تنفيذ القرارات السيادية لا يخضع للمساومة كلما تعارض مع مصالح القوى المسلحة.

وفي المقابل، فإن استمرار «حزب الله» في اختبار حدود سلطة الدولة قد يؤدي إلى نتائج معاكسة للأهداف التي يسعى إليها، إذ يمكن أن يفتح الباب أمام مراجعة أوسع للتمثيل السياسي والاجتماعي، ويعيد طرح التناقض بين ادعاء الدفاع عن البيئة الحاضنة والأعباء التي تتحملها هذه البيئة نتيجة الخيارات السياسية والعسكرية.

ولا يتوقف مسار المواجهة على التحركات الميدانية وحدها، بل يرتبط أيضًا بقدرة المؤسسات على تطبيق القانون، وبمدى استعداد القوى السياسية لمعالجة الخلافات ضمن الأطر الدستورية، بعيدًا عن فرض الوقائع بالقوة.

ويختم الكاتب باستحضار قول منسوب إلى الإمام علي: «أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق»، في إشارة إلى أن العجز عن قراءة التحولات السياسية والتعامل مع نتائج الحرب قد يحوّل التصعيد من وسيلة للضغط إلى عامل يؤدي إلى خسائر إضافية.


المصدر : وكالات