تفتح وفاة المراهق اللبناني ماتياس حبيب، البالغ 15 عاماً، باباً واسعاً للنقاش حول مسؤولية منصات الذكاء الاصطناعي عن حماية القاصرين، بعدما تقدّمت عائلته بدعوى قضائية ضد شركة OpenAI، متهمةً ChatGPT بالمساهمة في تدهور حالته النفسية وصولاً إلى وفاته، في قضية تطرح أسئلة قانونية وأخلاقية تتجاوز حدود لبنان.


من هو ماتياس حبيب؟

بحسب بيان العائلة، كان ماتياس طالباً متفوقاً، متقدماً في صفه، ولم يكن لديه، وفق ما تؤكده عائلته، تاريخ معروف من الاضطرابات النفسية. وكان يقضي وقته في أنشطة بعيدة عن العالم الرقمي، بينها سباقات الكارتينغ، والعزف على الغيتار، والرسم، والتصوير، وصناعة الأفلام، إضافة إلى التنزه والتخييم في الجبال.

وقال والده شربل حبيب لوسائل إعلام عربية إن العائلة كانت تخطط لرحلة مشتركة قبل وفاة ابنها بيوم واحد، مشيراً إلى أن ماتياس لم يكن يمضي وقتاً طويلاً على هاتفه، وكان محبوباً بين زملائه.

ثلاث سنوات من الاستخدام العادي وثلاثة أشهر مثيرة للجدل

تقول العائلة إن ماتياس استخدم ChatGPT على مدى نحو ثلاث سنوات لأغراض اعتيادية، شملت المساعدة في الواجبات المدرسية، والاستفسار عن الكاميرات والسيارات الكلاسيكية ومسارات التنزه.

لكن، وفق رواية العائلة وما ورد في أوراق الدعوى، طرأ تحول على طبيعة المحادثات خلال كانون الثاني 2026، بعدما بدأ المراهق قراءة كتاب «التأملات» للفيلسوف ماركوس أوريليوس، وطرح أسئلة حول الفلسفة الرواقية.

وتتهم الدعوى التطبيق بتوسيع النقاشات تدريجياً نحو أفكار فلسفية مرتبطة بالعدمية والوجودية، وتقديم ردود وصفتها العائلة بأنها عززت انشغال المراهق بالموت والانتحار. وتستند هذه الاتهامات، بحسب البيان، إلى سجلات محادثات قُدّمت ضمن الملف القضائي.

سؤال مباشر عن الانتحار يثير تساؤلات حول إجراءات الحماية

تضع العائلة محادثة جرت في 30 آذار 2026 في صلب القضية، إذ تقول إن ماتياس سأل ChatGPT مباشرة عما إذا كان ينبغي له إنهاء حياته.

وتتهم الدعوى الشركة بعدم اتخاذ إجراءات حماية كافية، رغم أن المستخدم كان قاصراً، وبالفشل في التعامل مع مؤشرات الخطر التي ظهرت خلال المحادثات. كما تشير العائلة إلى أن التطبيق ساعد المراهق، وفق ما ورد في أوراق الدعوى، في إعداد منشور على إنستغرام وجدولته للنشر بعد وفاته.

وفي 22 نيسان 2026، توفي ماتياس منتحراً، وفق رواية العائلة.

وتقول العائلة إن تحقيقات لبنانية لم تجد، بحسب البيان، تاريخاً مرضياً نفسياً أو خلافات أسرية تفسر ما حدث، وإنها تعتبر المحادثات عاملاً ساهم في تشكيل تصورات المراهق عن الموت. لكن تحديد العلاقة السببية والمسؤولية القانونية يتطلب النظر في الأدلة، ولا يُحسم بمجرد تقديم الدعوى.

ما الذي تتهم به العائلة شركة OpenAI؟

لا تقتصر القضية على الادعاء بأن التطبيق قدّم إجابات غير مناسبة، بل تتناول مجموعة من المسائل، أبرزها:

- الإهمال: عدم توفير استجابة حماية كافية عند ظهور مؤشرات مرتبطة بالانتحار.
- حماية القاصرين: مدى كفاية الضوابط المفروضة على استخدام المراهقين للمنصة.
- طبيعة التفاعل: ما إذا كانت آلية المحادثة قد ساهمت في تعميق أفكار ضارة بدلاً من توجيه المستخدم نحو المساعدة المناسبة.
- الإنذار والتدخل: ما إذا كان ينبغي توفير إجراءات إضافية للتعامل مع حالات الخطر الوشيك.

وتؤكد هذه النقاط طبيعة الاتهامات التي تطرحها العائلة، ولا تعني أن المحكمة أثبتت صحتها أو أن المسؤولية القانونية للشركة قد حُسمت.

من لبنان إلى القضاء الأميركي

بحسب المعلومات الواردة في بيان العائلة، رُفعت الدعوى أمام المحكمة العليا في مقاطعة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، ضد OpenAI وشركات تابعة لها ورئيسها التنفيذي سام ألتمان، مع تمثيل قانوني من مركز ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي ومشروع العدالة التقنية القانوني.

كما أعلنت العائلة تأسيس «مؤسسة ماتياس حبيب» للتوعية بالمخاطر المحتملة لاستخدام الأطفال والمراهقين أدوات الذكاء الاصطناعي.

وتأتي القضية، وفق المعلومات المقدمة، ضمن دعاوى أخرى رُفعت في المحكمة نفسها وتتعلق بادعاءات عن أضرار نفسية مرتبطة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ولا يعني تشابه بعض الاتهامات ثبوتها في أي من هذه القضايا.

هل تتحمل منصات الذكاء الاصطناعي مسؤولية حماية الأطفال؟

تعيد قضية ماتياس طرح سؤال أساسي: ما حدود مسؤولية شركات الذكاء الاصطناعي عندما يكشف مستخدم قاصر عن أفكار انتحارية خلال محادثة؟

وتتصل المسألة بقدرة الأنظمة على رصد مؤشرات الخطر، وتقديم ردود آمنة، وتشجيع المستخدم على التواصل مع شخص بالغ موثوق أو مختص، فضلاً عن وضوح سياسات حماية القاصرين وفعالية تطبيقها.

وفي المقابل، تبقى المسؤولية القانونية في هذه القضية مرتبطة بالأدلة التي ستُعرض أمام القضاء، وبمدى إثبات وجود تقصير وعلاقة سببية بين سلوك المنصة والوفاة.

حتى الآن، لا يكفي رفع الدعوى وحده لإثبات الاتهامات، كما لا يمكن الجزم بنتيجة القضية قبل صدور قرار قضائي أو توافر معلومات موثوقة عن مسارها.

الخلاصة

تتجاوز قضية ماتياس حبيب حدود نزاع قضائي بين عائلة وشركة تكنولوجيا؛ فهي تضع سلامة الأطفال والمراهقين في مواجهة التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي. وبين الاتهامات التي تسوقها العائلة والمسؤولية التي لم يحسمها القضاء بعد، يبقى التحدي الأساسي في ضمان ألا تتحول المحادثات الرقمية إلى بديل عن التدخل البشري الضروري عندما يكون المستخدم في خطر.


المصدر : Transparency News