تتزايد المخاوف في لبنان من احتمال انتقال التوتر بين «حزب الله» والسلطة إلى مواجهة داخلية، بالتزامن مع استمرار الإجراءات الأمنية والتحقيقات في شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ومستودع الأدوية الفاسدة عند مدخل الضاحية الجنوبية. وفيما تؤكد الحكومة تمسكها بقرارات حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، تتباين القراءات السياسية للتحركات الأخيرة، بين من يراها محاولة للضغط على السلطة ومن يحذر من ارتباطها بحسابات إقليمية.


هل يتجه حزب الله إلى تصعيد داخلي؟

تؤكد مصادر وزارية لصحيفة «الشرق الأوسط» أن المخاوف من لجوء «حزب الله» إلى تصعيد داخلي لا تزال قائمة، لكنها تشير إلى عدم وجود معطيات تدل على أن خطوة من هذا النوع باتت وشيكة. وتشدد المصادر على أن الأجهزة الأمنية ستواصل تنفيذ قرارات الحكومة، وأن المسار المتخذ لن يشهد تراجعاً.

وتضع المصادر المواقف التصعيدية الصادرة عن الحزب، ولا سيما المتعلقة بشحنة المتفجرات المضبوطة أخيراً، في إطار رد الفعل على الإجراءات المتخذة، مؤكدة أن هذه المواقف لن تؤثر في القرارات الحكومية أو القضائية، وأن الدولة لا تتجه إلى التراجع عنها أو تقديم تنازلات للحزب.

وفي هذا السياق، يُعقد اجتماع أمني بعد ظهر الاثنين في القصر الرئاسي، برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون، وبمشاركة قادة الأجهزة الأمنية، لبحث المستجدات الأخيرة، وفي مقدمتها شحنات المتفجرات التي ضُبطت في الفترة الماضية.

نواف سلام: لا استقرار من دون سلطة الدولة

أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن الاستقرار لن يتحقق ما لم تُبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ولو تدريجياً، وبقواها الذاتية حصراً. وشدد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية وحدها.

وكشف سلام أنه أجرى اتصالين بقائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، مثنياً على تعزيز انتشار القوات المسلحة في بيروت الكبرى خلال اليومين الماضيين، لما لذلك من دور في طمأنة المواطنين بعد التجمعات الليلية التي شهدتها العاصمة وأثارت مخاوف بشأن تداعياتها المحتملة.

كما أشار إلى اجتماعه بوزير العدل عادل نصار والمدعي العام التمييزي رامي الحاج، لمتابعة الإجراءات الهادفة إلى توسيع التحقيق في شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر وما تلاها، وتوقيف المتورطين في حيازة السلاح غير الشرعي ونقله وإحالتهم إلى القضاء المختص.

وأكد سلام أن «سقف الإجراءات هو القانون»، في إشارة إلى تمسك الحكومة بالمسار القضائي والأمني المتصل بهذه الملفات.

الدولة تتمسك بقرار حصرية السلاح

في موازاة الإجراءات الأمنية، يواصل المسؤولون اللبنانيون التأكيد على تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة.

وفي هذا الإطار، شدد وزير الخارجية يوسف رجّي، خلال مشاركته في الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي في العراق، على تمسك الدولة بقراراتها.

وأوضح أن الحكومة اتخذت في آب 2025 قراراً بحصر السلاح في الأجهزة الأمنية الشرعية وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بقواها الذاتية، مؤكداً أنه «لا سيادة مع ازدواجية السلاح، ولا استقرار مع قرار منفلت خارج مؤسسات الدولة».

إبراهيم منيمنة: التحركات قد تهدف إلى إعادة الوضع السابق

في المقابل، حذرت أطراف وأحزاب لبنانية من احتمال لجوء «حزب الله» إلى تصعيد داخلي خلال المرحلة المقبلة.

ويرى النائب إبراهيم منيمنة أن التحركات الأخيرة لمناصري الحزب قد تكون في إطار التحضير لخطوة ما، بانتظار لحظة معينة. ويعتبر، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أنها توحي بمحاولة لاستعادة الوضع الذي كان قائماً قبل قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح، وإظهار أن هذه القرارات «حبر على ورق» ولا مفاعيل فعلية لها.

ولا يستبعد منيمنة ارتباط هذه التحركات بحسابات إقليمية أو بتحرك إيراني، في ضوء المعادلة الجديدة التي يجري العمل على رسمها في المنطقة.

ويشدد على أن المسألة الأساسية تكمن في موقف الدولة وكيفية تعاملها مع أي تحرك محتمل، محذراً من أن استمرار غياب مقاربة جدية للسلاح الموجود خارج إطار المؤسسات الشرعية سيُبقي لبنان رهينة هذا الواقع.

ويدعو منيمنة الدولة إلى حسم موقفها والبدء بتنفيذ قراراتها، ولا سيما قرار «بيروت خالية من السلاح»، معتبراً أنه يشكل مدخلاً أساسياً لاستعادة هيبة الدولة وسلطتها، خصوصاً في العاصمة.

ويضيف أن الاختبار الحقيقي يتمثل في كيفية تعامل المؤسسات الشرعية مع أي تحدٍّ لقراراتها، وقدرتها على الانتقال من المواقف المعلنة إلى التنفيذ الفعلي.

أنطوان حبشي: التلويح بالمواجهة يهدف إلى كسب الوقت

من جهته، رأى عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب أنطوان حبشي أن تلويح «حزب الله» بالمواجهة الداخلية والتحذير من الحرب الأهلية يهدفان إلى كسب الوقت، مشيراً إلى أن أي اقتتال داخلي في المرحلة الراهنة سيكون، بحسب تقديره، بمثابة مقتل للحزب.

وشدد حبشي على ضرورة تنفيذ القرارات الحكومية من دون أي لبس، مؤكداً أن حماية لبنان من الحرب الأهلية تستوجب استعادة الدولة قرارها السيادي بالكامل وحصر السلاح بيدها.

انتشار الجيش في بيروت والضاحية الجنوبية

ميدانياً، يواصل الجيش اللبناني منذ أيام إجراءاته الأمنية وتعزيز انتشاره في بيروت عموماً، وفي الضاحية الجنوبية ومداخلها خصوصاً، تحسباً لأي تحركات جديدة قد ينفذها مناصرو الحزب.

وتتزامن هذه الإجراءات مع استمرار التحقيقات في شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، وكذلك في قضية مستودع الأدوية الفاسدة عند مدخل الضاحية الجنوبية.

وكان شبان يستقلون دراجات نارية قد حاولوا، مساء الجمعة، اعتراض دورية لقوى الأمن الداخلي خلال مداهمة المستودع، قبل أن يتدخل الجيش ويتمكن عناصر الدورية من إقفال المكان بالشمع الأحمر.

ورغم نفي «حزب الله» علاقته بالمستودع، أشارت معلومات متداولة إلى أن نجل الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، شريك فيه. وتحتوي المنشأة، وفق المعلومات الواردة، على أدوية فاسدة. وكانت النائبة بولا يعقوبيان قد أكدت هذه المعلومات خلال مقابلة على قناة «الجديد» يوم الأحد، مشيرة إلى أن الشريك الثاني هو مرشح «الثنائي الشيعي» لمنصب نقيب الصيادلة في لبنان.

لاحقاً، نفى نجل نعيم قاسم علاقته بمستودع الأدوية، وقال في بيان إن الملف أصبح بعهدة الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة، وإن الجهات المعنية هي المخولة كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات.

وكان الحزب قد اعترض على المداهمة، محذراً من تنفيذ القوى الأمنية عمليات في مناطق حساسة من دون اعتماد «الآلية المتفق عليها» مع الجهات الأمنية، في إشارة إلى الآلية التي كانت معتمدة قبل القرارات الحكومية الأخيرة المرتبطة بسلاحه.

شحنة ضهر البيدر تفتح مواجهة بين الحزب والسلطة

وسبق هذه التطورات إعلان «حزب الله» تبنّيه ملكية الشاحنة وشحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات عند حاجز ضهر البيدر. وكانت الشاحنة محمّلة بنحو 780 كيلوغراماً من المتفجرات، وطالب الحزب بالإفراج عن الموقوفين وإعادة الشاحنة وحمولتها.

وكان النائب حسن فضل الله قد قال إن الحزب «لن يتساهل مع أي استهداف ينفذ المطالب الأميركية». لكنه حمّل الدولة، يوم الأحد، مسؤولية ما وصفه بالاتجاه نحو مواجهة داخلية، متسائلاً: «لماذا تأخذون البلد، بناءً على ضغط أميركي، إلى مواجهة داخلية؟ مَن المستفيد منها؟ فهل تفيدها وتفيد العهد والحكومة؟ وهل يفيدها توتير البلد واستفزاز الناس بهذه الطريقة؟ ولماذا هناك إصرار على توفير أسباب المواجهة الداخلية؟».

وتضع هذه المواقف، إلى جانب استمرار الإجراءات الأمنية والقضائية، العلاقة بين الحكومة والحزب أمام اختبار يتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها، وسط مخاوف من انعكاس التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي اللبناني.


المصدر : الشرق الأوسط