فرنسا على صفيح ساخن.. قتيل وآلاف الموقوفين وموجة عنف تهزّ المدن
19-10-2026 01:42 PM GMT+03:00
من الاحتجاجات إلى الفوضى
شهدت فرنسا، السبت 17 تشرين الأول، تظاهرات واسعة شارك فيها مئات الآلاف في عشرات المدن، تعبيراً عن الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم التفاوت الاجتماعي، إلى جانب الاعتراض على أوضاع المدارس ونقص المعلمين وتراجع مستوى الخدمات العامة.
لكن التحركات التي انطلقت بمطالب اجتماعية وسياسية، سرعان ما شهدت أعمال عنف نفذتها مجموعات من مثيري الشغب، شملت إحراق مبانٍ عامة، ونهب متاجر، وتخريب ممتلكات، والاشتباك مع قوات الأمن.
وامتدت الاضطرابات إلى مدن عدة، بينها باريس ومرسيليا وبوردو وليموج، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف من اتساع الهوة بين الشارع الفرنسي والسلطات السياسية.
قتيل ومئات المصابين وآلاف الموقوفين
بحسب التقارير المنشورة الأحد 18 تشرين الأول، سُجّلت وفاة أحد المشاركين في الاحتجاجات في باريس إثر أزمة قلبية، فيما أعلنت السلطات توقيف نحو 1800 شخص في مختلف أنحاء البلاد، وإصابة مئات من عناصر الشرطة خلال المواجهات.
وفي العاصمة باريس، تركزت التوترات في ساحة الجمهورية ومحيطها، حيث تجددت المواجهات الأحد، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من المحتجين، بالتزامن مع استمرار الإجراءات الأمنية تحسباً لمزيد من أعمال الشغب.
كما طالت الأضرار عدداً كبيراً من المتاجر والمنشآت، ما دفع السلطات المحلية إلى إطلاق عمليات تنظيف وإزالة آثار التخريب، فيما طالبت بلديات متضررة بتوفير مساعدات عاجلة لإصلاح الأضرار.
مبنى تاريخي يحترق في ليموج
من أبرز مشاهد العنف، إحراق مبنى بلدية مدينة ليموج التاريخي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، ما أدى إلى أضرار جسيمة وانهيار أجزاء من سقفه.
وأثار الحريق مخاوف بشأن حجم الخسائر التي لحقت بالممتلكات العامة، خصوصاً أن المباني البلدية تمثل جزءاً من الذاكرة التاريخية للمدن الفرنسية، فضلاً عن دورها في تقديم الخدمات للمواطنين.
وفي بوردو، تعرّضت متاجر عدة للنهب والتخريب، بينما شهدت مناطق أخرى مواجهات وأضراراً طالت منشآت وممتلكات خاصة وعامة.
ماكرون يندد بالعنف ويتعهد بالمحاسبة
في مواجهة التصعيد، ندّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأعمال النهب والتخريب، معتبراً أن ما شهدته البلاد من مشاهد عنف أمر غير مقبول، ومشدداً على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
كما أعلن أنه طلب مراجعة الإجراءات الاستخباراتية والاستعدادات الأمنية، للتحقق مما إذا كانت هناك ثغرات في تقدير حجم الاضطرابات أو التعامل معها.
وأشار ماكرون إلى توجه لعقد اجتماعات تجمع ممثلين عن الطلاب والمعلمين والبرلمانيين والنقابات وأصحاب الأعمال، بهدف إعداد مقترحات عملية لمعالجة الأزمة، فيما يُنتظر أن تشكل نتائج هذه المشاورات اختباراً لقدرة الحكومة على احتواء الغضب الشعبي.
أزمة تتجاوز غلاء المعيشة
لا تقتصر الأزمة الفرنسية على ارتفاع الأسعار وحده، بل تعكس تراكماً من الاستياء المرتبط بتراجع الخدمات العامة، والضغوط الاقتصادية، والتفاوت الاجتماعي، والشعور لدى شرائح من المجتمع بأن المؤسسات السياسية لم تعد قادرة على الاستجابة الكافية لمطالبها.
وقد ساهم انضمام تحركات طلابية استمرت أسابيع إلى موجة الاحتجاجات الأوسع في توسيع نطاق المواجهة، وتحويلها إلى اختبار سياسي وأمني للحكومة.
ومع ذلك، فإن اتساع المشاركة في التظاهرات لا يعني أن جميع المحتجين شاركوا في أعمال العنف؛ فقد خرج مئات الآلاف في مسيرات سلمية، فيما استغلت مجموعات أخرى التحركات لتنفيذ عمليات تخريب ونهب.
انتخابات 2027 تزيد الضغط على الحكومة
تأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه فرنسا للاستحقاق الرئاسي لعام 2027، ما يضع ماكرون وحكومته أمام تحديات إضافية في الأشهر الأخيرة من ولايته.
وفيما تتهم الحكومة مجموعات متطرفة ومجرمين باستغلال الاحتجاجات لإشاعة الفوضى، تستثمر قوى المعارضة الأحداث للضغط على السلطة والمطالبة بتشديد الإجراءات الأمنية واستعادة النظام.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الدولة الفرنسية مزدوجاً: فرض القانون وحماية المواطنين والممتلكات، بالتوازي مع معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت أعداداً كبيرة إلى الشارع.
فاحتواء أعمال الشغب قد يعيد الهدوء مؤقتاً، لكنه لن ينهي بالضرورة حالة الغضب التي تقف خلفها. وبين مطالب الشارع ومواجهة الفوضى، تجد فرنسا نفسها أمام اختبار جديد لاستقرارها الاجتماعي والسياسي.
المصدر : Transparency News








