كتب عماد رزق مستشار في الشؤون الامنية


على بعد عشرة كيلومترات من دمشق، في بلدة يعفور، شوهدت مروحيات إسرائيلية تحلق على علو منخفض. وفي رخلة، المطلة على الطرق المؤدية إلى الحدود اللبنانية، تمركزت قوات إسرائيلية في موقع مرتفع قرب قصر برقش الأثري. وفي قلعة جندل على سفوح جبل الشيخ، فُجّرت تحصينات عسكرية كانت تستخدمها قوات تابعة لحزب الله. هذه ليست حوادث منفصلة. إنها حلقات في مشروع واحد: إسرائيل لا تنسحب من سوريا، بل تبني طريقها إلى دمشق.

منذ خروج الأسد في كانون الاول/ديسمبر 2024، تحولت العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا من "توغلات مؤقتة" إلى هندسة دائمة. مشروع "سوفا 53"، الطريق العسكري بعرض ثمانية أمتار، والمحصن بسواتر ترابية بارتفاع خمسة أمتار وخنادق عميقة الممتد من حضر شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً، مخترقاً المنطقة العازلة التي يفترض أن تخضع لإشراف الأمم المتحدة. 

الأمم المتحدة وصفت أعمال الحفر بأنها "انتهاك جسيم". إسرائيل لا تبدو معنية. فوزير الدفاع يسرائيل كاتس كان صريحاً: "لن نتحرك من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية طالما بقيت التهديدات الجهادية". لا سقف زمنياً، لا شروط انسحاب سوى ما تحدده إسرائيل.

لكن الطرق وحدها لا تصنع حدوداً، والسيطرة تحتاج إلى عيون ترى ومدافع تطال، هنا تأتي القلاع والتلال. 

فقد أنشأت إسرائيل أكثر من 12 قاعدة دائمة على المرتفعات من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، مزودة بمدفعية وصواريخ بعيدة المدى تهدد شمال العاصمة السورية. وفي آب/أغسطس 2026، كُشف عن إطار أوسع: "خط جنوب تدمر"، نطاق نفوذ يمتد من الجولان إلى جنوب مدينة تدمر في وسط سوريا، مروراً بجبال القلمون ودمشق وصولاً إلى الحدود العراقية. إسرائيل لا تطالب باعتراف رسمي به. تفرضه من الأرض صعوداً.

في المقابل..ماذا تفعل دمشق..تنسحب!
في أوائل تشرين الاول/أكتوبر، أصدرت الرئاسة السورية أمراً بسحب 75% من قواتها من جنوب سوريا إلى ريف دمشق الشرقي وحمص. الدبابات المتبقية لا تزيد عن مئة. القنيطرة خالية تماماً من الآليات الثقيلة. وبالتوازي، أعلنت الفرقة الثامنة في درعا، التي قاتلت إسرائيل فعلياً في تل الجموع، حلّ نفسها وتسليم أسلحتها لوزارة الدفاع. 

الرسالة: لا قوة منظمة في الجنوب، لا ذريعة لصدام واسع.

لكن إسرائيل لا تنتظر.. ففي منتصف تشرين الاول/أكتوبر وحده، توغلت آليات إسرائيلية في وادي الرقاد وسد عابدين غربي درعا، وفتشت منازل وأطلقت النار على المزارع، وجرّفت أشجار زيتون في القنيطرة، الرسالة واضحة..الانسحاب السوري لن يوقف التوغل الإسرائيلي، بل يمهّد له.

في الخلفية، تلعب تركيا دوراً متصاعداً، وناعمة فقد انتشرت اخبار صحفية عن  استضافت أنقرة محادثات بين دمشق وحزب الله، وربما هي الأولى من نوعها بعد سنوات من العداء، في المقابل ترى إسرائيل في الوجود التركي المتزايد في دمشق تهديداً استراتيجياً طويل الأمد، وتسعى لفرض وقائع على الأرض قبل أن تترسخ أقدام الآخرين وبخاصة مع تسمية وحدة امن العاصمة. 

أما الورقة الدرزية، فلم تُطوَ بعد، تحقيق لصحيفة واشنطن بوست كشف أن إسرائيل أرسلت شحنات سرية إلى "المجلس العسكري" الدرزي في السويداء، وتدفع رواتب لمقاتلين، لكنها لا تريد "دولة درزية" — تريد كانتوناً او كيانا أمنياً خارج سيطرة دمشق(السنية).

الانتخابات الإسرائيلية..الصاعق

نتنياهو يواجه محاكمة بتهم فساد، ويحتاج إلى إنجازات أمنية. جنوب سوريا هو المسرح الأرخص..لا حرب شاملة، لا خسائر كبيرة، لكن صور الدبابات على التلال تُترجم إلى أصوات. الانسحاب السوري "المجاني" يمنحه صورة المنتصر دون معركة.

لكن السؤال ليس هل تستطيع إسرائيل الوصول إلى دمشق، فالطريق العسكري موجود، والقواعد موجودة، والمرتفعات موجودة لكن السؤال: ماذا بعد؟ 

هل تتحول "التفاهمات" إلى اتفاق أمني فعلي مع دمشق؟ أم أن إسرائيل ستستخدم الهدوء المؤقت في الجنوب كنقطة انطلاق لعمليات أوسع نحو العاصمة نفسها؟


في الحالتين، جنوب سوريا لم يعد "منطقة عازلة" بالمعنى القديم. لقد أصبح ساحة تُدار بالوكالة، والسلاح فيها ليس للدفاع عن الأرض، بل للضغط على الطرف الآخر في أي تسوية قادمة. والنتيجة، حدود جديدة تُفرض من جانب واحد، دون توقيع، دون إعلان، لكنها موجودة على الأرض، بالخرسانة والتراب والمدافع.


المصدر : Transparency News