حزب الله يعرف جيداً حجم المأزق الذي وصل إليه. أزمته لم تعد عسكرية فقط، بل مالية وسياسية وشعبية أيضاً. شبكاته المالية تحت ضغط متزايد، والتمويل الإيراني لم يعد قادراً على تغطية حجم الخسائر والدمار، فيما يتقدم داخل الدولة مسار حصر السلاح ويضيق أكثر فأكثر المساحة التي اعتاد الحزب أن يتحرك فيها خارج المؤسسات.


لكن الأخطر بالنسبة إليه هو ما يحدث داخل بيئته نفسها

المزاج الشيعي يتغير، والثقة التي بُنيت طوال سنوات لم تعد كما كانت. استطلاع حديث أظهر أن نحو 66 بالمئة من المشاركين الشيعة يؤيدون تسليم سلاح الحزب إلى الدولة، بالتوازي مع تراجع الثقة بقدرته على حماية الناس أو تحقيق الأهداف التي خاض الحرب باسمها.

وأمام هذا التراجع، يبدو أن الحزب يبحث عن الوسيلة التي يعرفها أكثر من غيرها: الحرب.

حرب جديدة، منفرداً أو بالتنسيق مع إيران، تعيد خلط الأوراق، وتضع المجتمع الشيعي مرة أخرى أمام معادلة الخوف والخطر، وتمنح الحزب فرصة لإعادة الحشد تحت عنوان المواجهة.

لهذا، فإن أي حرب جديدة لا يمكن التعامل معها تلقائياً باعتبارها دفاعاً. قد تكون أيضاً محاولة سياسية لإعادة إنتاج الشرعية التي فقد الحزب جزءاً منها، واستعادة ولاء بدأ يتآكل تحت ضغط الخسائر والدمار والغضب.

في المقابل، يكرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تريد التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. قال ذلك في لقاءاته مع وزير الخارجية يوسف رجي ومع الرئيس جوزاف عون.

لكن القول شيء، والواقع شيء آخر.

إيران تواصل تمويل الحزب ودعمه، وتتمسك ببقاء قوته المسلحة خارج سلطة الدولة اللبنانية، فيما يبقى لبنان معرضاً في أي لحظة لأن يُسحب إلى مواجهة مرتبطة بالحسابات الإيرانية.

أي تدخل يمكن أن يكون أوضح من هذا؟

أن تموّل تنظيماً مسلحاً، وتدعمه سياسياً وعسكرياً، ويكون قراره مرتبطاً إلى هذا الحد بمصالحك الإقليمية، ثم تقول إنك لا تتدخل في لبنان، فهذا ليس حياداً. هذه وصاية، مهما تغيّرت اللغة الدبلوماسية المستخدمة لوصفها.

أما الحديث عن 200 مليون دولار إيرانية للتعويضات، فحتى لو وصلت بالكامل، لا يغير شيئاً من أصل المشكلة.

الخسائر بالمليارات.

قرى دُمرت، بيوت اختفت، مصالح توقفت، وعائلات خسرت سنوات من حياتها في لحظة.

مئتا مليون دولار لا تعيد ما تهدم، ولا تعوض هذا الحجم من الخسائر. هي في أفضل الأحوال محاولة لتهدئة الغضب وتأجيل الأسئلة الصعبة إلى ما بعد الجولة المقبلة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

إذا أصبح الحزب يرى في الحرب وسيلة لإعادة شد بيئته إليه، فهذا يعني أن خراب الناس يتحول إلى أداة سياسية لبقائه.

وهذا ما لا يمكن القبول به.

الدولة اللبنانية، ونبيه بري تحديداً، أمام مسؤولية مباشرة.

منع حرب جديدة لم يعد خياراً سياسياً يمكن تأجيله. وبري لا يستطيع أن يبقى في موقع المتفرج بينما يدفع أهل الجنوب مرة أخرى ثمن قرار لا يملكونه.

التحالف الشيعي لم يُفترض أن يكون مظلة لإرسال الجنوب إلى حرب جديدة، بل أن يحمي أهله ويحفظ وجودهم ومصالحهم.

وإذا اختار حزب الله الذهاب إلى مواجهة أخرى، فإن الثمن هذه المرة سيكون أكثر قسوة: مزيد من البيوت المهدمة، مزيد من النازحين، مزيد من الخسائر، مزيد من الغضب داخل البيئة الشيعية، ومزيد من العزلة السياسية.

وكل صاروخ يُطلق من لبنان لا يغيّر ميزان القوى بقدر ما يعيد فتح باب النار على اللبنانيين.

كل صاروخ يعني احتمال بيت جديد يُهدم.

عائلة جديدة تنزح.

وقرية جديدة تنتظر سنوات حتى تعود إليها الحياة.

لهذا، يجب أن يكون موقف الدولة واضحاً هذه المرة: أي انخراط جديد في حرب مرتبطة بإيران يجب أن يكون آخر قرار حرب يُتخذ من خارج المؤسسات اللبنانية.

لا يمكن أن يبقى لبنان دولة بجيش، وإلى جانبه تنظيم يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

ولا يمكن أن يبقى المجتمع الشيعي رهينة لهذا المسار.

الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة هما الجهة الوحيدة التي يجب أن تملك قرار حماية الناس وقرار الحرب والسلم.

أما السلاح المرتبط بحسابات خارجية، فقد أثبت أن كلفته يدفعها اللبنانيون قبل أي أحد آخر.

الشيعة ليسوا وقوداً لإعادة حشد حزب مأزوم.

وليسوا ورقة تفاوض بيد طهران.

هم لبنانيون، بيوتهم هنا، وأرضهم هنا، ومستقبل أولادهم هنا.

ومن يريد فعلاً حمايتهم، فعليه أن يحمي حقهم في العيش، لا أن يطلب منهم مرة أخرى الاستعداد للموت.

المعادلة اليوم واضحة:

إما أن يكون القرار للدولة، وإما أن يبقى الجنوب ينتظر الحرب التالية.

وكل يوم تتأخر فيه الدولة عن حسم هذه المعادلة، يدفع ثمنه أهل الجنوب والضاحية من بيوتهم وأرزاقهم ومستقبلهم، فيما يبقى أصحاب القرار بعيدين عن الركام.


المصدر : Transparency News