الإعلامية سماح الحاج


لم تعد القضية الفلسطينية وحدها أمام اختبار موازين القوى في الشرق الأوسط. فبين دول عربية اختارت التطبيع مع إسرائيل، وأخرى ما زالت تربط السلام بقيام الدولة الفلسطينية، تتسارع التحولات الأمنية والسياسية، وتُطرح أسئلة تتجاوز حدود فلسطين لتصل إلى أمن الدول العربية نفسها.

واليوم، بينما تواجه المملكة العربية السعودية تهديدات متجددة رغم ثقلها الاقتصادي والعسكري وتحالفاتها الدولية، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل يدفع العرب ثمن سنوات من الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية، فيما كانت موازين القوى تتغير على الأرض؟ وهل يمكن أن تتجاوز تداعيات هذه المرحلة المملكة لتصل إلى دول عربية أقل قدرة على المواجهة؟

دول طبّعت وأخرى رفضت... من دفع الثمن؟

منذ توقيع مصر والأردن اتفاقيتي السلام مع إسرائيل، وصولاً إلى انضمام الإمارات والبحرين والمغرب إلى مسار التطبيع، انقسمت الخيارات العربية بين من رأى في العلاقات المباشرة وسيلة لحماية المصالح وتحقيق الاستقرار، ومن اعتبر أن التطبيع قبل قيام الدولة الفلسطينية يُفقد العرب إحدى أهم أوراقهم التفاوضية.

لكن ماذا حققت هذه الخيارات؟

فالدول التي طبّعت استطاعت بناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية مع إسرائيل، وبعضها حافظ على درجة من الاستقرار الداخلي بعيداً عن المواجهات المباشرة. غير أن هذا الاستقرار لا يمكن نسبته إلى التطبيع وحده، كما أن الاتفاقات لم تمنع استمرار الحروب ولم تُنهِ الاحتلال أو تُنتج دولة فلسطينية.

أما الدول التي رفضت التطبيع، فلم تتشابه ظروفها أو أسباب أزماتها، لكنها بقيت خارج بعض ترتيبات التعاون الإقليمي الجديدة.

وهنا المفارقة: هل أصبح التطبيع طريقاً للحصول على مكاسب أمنية وسياسية، فيما تواجه الدول الرافضة ضغوطاً أكبر؟ أم أن ما نشهده يعكس اختلالاً أعمق في موازين القوى، لا تعالجه اتفاقات السلام وحدها؟

والسؤال الأهم: هل استطاع العرب، سواء الذين طبّعوا أو الذين رفضوا، أن يغيّروا شيئاً جوهرياً في مصير القضية الفلسطينية؟

السعودية... دولة قوية أمام اختبار صعب

تختلف المملكة العربية السعودية عن دول عربية كثيرة بحجم إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، ومكانتها الدينية والسياسية، وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

فالمملكة ليست دولة معزولة أو ضعيفة، بل قوة إقليمية تمتلك أوراقاً مؤثرة، وتقود مشروعاً اقتصادياً وتنموياً واسعاً ضمن رؤية 2030، يحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة.

ومع ذلك، فإن تصاعد التهديدات المحيطة بها يكشف أن القوة الاقتصادية والتحالفات الدولية لا توفران بالضرورة حصانة كاملة من الأزمات الإقليمية.

وتتمسك الرياض حتى الآن بموقفها المعلن الرافض للتطبيع مع إسرائيل من دون مسار واضح وموثوق نحو قيام الدولة الفلسطينية.

لكن هل تستطيع المملكة الحفاظ على هذا الموقف إذا أصبحت الضغوط الأمنية أكثر تعقيداً؟ وهل يمكن أن يتحول ملف أمنها إلى مدخل لإعادة طرح التطبيع بشروط مختلفة؟

طائرة تبوك... حادثة أمنية أم اختبار لحدود العلاقة؟

في هذا السياق، أثارت الروايات المتداولة بشأن تحويل مسار طائرة تابعة لـ«فلاي دبي» إلى مطار تبوك السعودي، وما قيل عن طلب إسرائيلي لإجلاء ركابها، تساؤلات سياسية تجاوزت طبيعة الحادثة الجوية نفسها.

فإذا صحت تفاصيل الطلب والرفض المتداولة، فإن المسألة تطرح سؤالاً بشأن حدود التعامل المباشر بين السعودية وإسرائيل في الظروف الاستثنائية، في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية بينهما.

لكن لا يجوز القفز من هذه التساؤلات إلى اتهام إسرائيل بتدبير الحادثة من دون أدلة موثوقة.

والأهم من البحث عن نيات غير مثبتة هو السؤال السياسي: إلى أي مدى يمكن أن تتحول الحوادث الأمنية إلى فرص لفتح قنوات اتصال أو اختبار مواقف دول ما زالت ترفض التطبيع؟

الحوثيون... هل يصبح الأمن ورقة سياسية؟

تزيد الهجمات الحوثية على السعودية من تعقيد المشهد، خصوصاً أن استهداف المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية يهدد الاستقرار الذي تحتاج إليه المملكة لحماية اقتصادها ومشاريعها المستقبلية.

وفي الوقت نفسه، تثير الطروحات المتعلقة بالتعاون الأمني الإقليمي لمواجهة الحوثيين تساؤلات بشأن العلاقة بين الاحتياجات الدفاعية للسعودية ومسار التطبيع مع إسرائيل.

فهل يمكن أن يُطرح التقارب مع إسرائيل بوصفه أحد الخيارات لتعزيز الأمن، مقابل التخفيف من الشروط السياسية المرتبطة بفلسطين؟

وهل تستفيد إسرائيل سياسياً من استمرار التهديد الحوثي، حتى من دون وجود أي دليل على تنسيق مباشر بين الطرفين؟

التمييز هنا ضروري بين الاستفادة من أزمة قائمة وبين التسبب بها أو إدارتها. فالتقاطع المحتمل في النتائج لا يثبت وجود تعاون، لكنه يفتح نقاشاً مشروعاً حول كيفية استثمار الأزمات الأمنية في رسم التحالفات.

فلسطين... ماذا فعل العرب وما الذي لم يفعلوه؟

منذ سنوات، تتكرر البيانات العربية المؤيدة لحل الدولتين، وتنعقد القمم والمؤتمرات، وتُطرح المبادرات السياسية، فيما تستمر الوقائع الإسرائيلية على الأرض في تقليص فرص التسوية.

ولا يمكن إنكار الجهود الدبلوماسية التي بذلتها دول عربية، وفي مقدمتها السعودية ومصر والأردن، لدعم الحقوق الفلسطينية. لكن مشروعية هذه الجهود لا تعفيها من سؤال النتائج.

هل استُخدمت الأوراق الاقتصادية والسياسية العربية بما يكفي؟ وهل كان ممكناً بناء موقف أكثر تأثيراً قبل أن تتراجع فرص إقامة الدولة الفلسطينية؟

وهل أدى اختلاف الخيارات بين التطبيع ورفضه إلى إضعاف القدرة العربية على التفاوض الجماعي؟

فالمشكلة ليست في الدبلوماسية بحد ذاتها، بل في مدى امتلاكها أدوات ضغط تجعل الطرف الآخر مضطراً إلى أخذ المطالب العربية بجدية.

ولعل ما يحدث اليوم يفرض إعادة طرح السؤال: هل يمكن للعرب حماية شروط السلام إذا لم يمتلكوا القدرة على التأثير في موازين القوى التي تحدد تلك الشروط؟

حلف مكة... قوة دفاع حقيقية أم اختبار جديد للشعارات؟

وسط هذه التحديات، برز اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية، لا تعتمد حصراً على الضمانات الأميركية.

والاتفاق ليس مجرد إعلان نيات؛ فهو ينص على الدفاع المتبادل، وقد قررت الدول الثلاث في اجتماع طارئ بالرياض الانتقال إلى خطوات عملية لتعزيز الجاهزية وتوفير قدرات عسكرية قابلة للنشر السريع في المملكة.

لكن الانتقال من الالتزام السياسي إلى التدخل العسكري الفعلي تحكمه ترتيبات وإجراءات وطنية، بينها استكمال المصادقة البرلمانية في تركيا وتحديد طبيعة المساعدة المطلوبة.

وهنا يصبح السؤال أكثر جدية: إذا كان الحلف قد أُنشئ لردع الاعتداءات، فأين سيظهر تأثيره في مواجهة التهديدات الحالية؟

هل سيكتفي بتعزيز الدفاعات الجوية وتبادل المعلومات والتعاون العسكري، أم يمتلك القدرة والاستعداد للتدخل بصورة أوسع إذا تصاعدت الهجمات؟

وهل تستطيع تركيا وباكستان تقديم التزامات دفاعية فعلية من دون أن تنجرا إلى مواجهات تتعارض مع حساباتهما الإقليمية والدولية؟

إن أهمية حلف مكة لا تُقاس بحجم الدول الموقّعة عليه فقط، بل بوضوح التزاماته وقدرته على تحويل الدفاع المشترك إلى ردع يمنع الاعتداءات قبل وقوعها.

فإذا بقيت التهديدات مستمرة، ولم تظهر نتائج ملموسة للتحالف، فستصبح الفجوة بين الوعود والقدرة على التنفيذ موضع مساءلة.

مصر... سند للمملكة أم بداية معادلة إقليمية جديدة؟

في موازاة ذلك، أعلنت مصر استعدادها لتقديم الدعم للسعودية، وأكدت أن مسألة الانضمام إلى اتفاق مكة تخضع لدراسة جدية.

ويكتسب الموقف المصري أهمية خاصة نظراً إلى موقع مصر العسكري والجغرافي، وصلتها بأمن البحر الأحمر والخليج.

لكن الانضمام إلى حلف دفاعي لا يشبه إعلان التضامن السياسي؛ فهو قد يرتب التزامات عسكرية مباشرة، ويضع الدول أمام قرارات صعبة عند اندلاع المواجهات.

فهل تتجه المنطقة إلى منظومة أمن جماعي قادرة على حماية الدول المشاركة، أم ستبقى التحالفات محدودة بقدرة كل دولة على الموازنة بين التزاماتها ومصالحها؟

وهل يمكن لحلف مكة أن يصبح بديلاً جزئياً عن الاعتماد على الولايات المتحدة، أم أنه سيبقى مكملاً للشراكات الدولية القائمة؟

إذا كانت السعودية تواجه الضغوط... فماذا عن لبنان وسوريا والعراق؟

هنا يتجاوز السؤال حدود المملكة.

فإذا كانت السعودية، بما تمتلكه من إمكانات مالية وعسكرية وعلاقات دولية، مضطرة إلى البحث عن ترتيبات دفاعية إضافية لحماية أمنها واستقرارها، فكيف يمكن لدول مثل لبنان وسوريا والعراق، التي أنهكتها الحروب والأزمات والانقسامات، أن تحمي قراراتها السيادية وسط التحولات الإقليمية؟

وهل تملك هذه الدول أوراقاً تفاوضية كافية، أم أن ضعف مؤسساتها وانقسام قواها الداخلية يجعلانها أكثر عرضة لتأثير الصراعات والتسويات التي تُرسم خارج حدودها؟

ليس المقصود أن ما تواجهه السعودية سينتقل حكماً إلى الدول الأخرى، أو أن التطبيع سيُفرض عليها بالطريقة نفسها. لكن تجربة المملكة تطرح سؤالاً عن قدرة الدول العربية على حماية خياراتها عندما تصبح الضغوط الأمنية والاقتصادية جزءاً من المعادلة السياسية.

فإذا كانت الدول القوية تبحث عن ضمانات إضافية، فإن الدول الأضعف تحتاج، قبل أي شيء، إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وحمايته.

هل تأخر العرب في صناعة السلام بشروطهم؟

لم يعد السؤال مقتصراً على من طبّع ومن رفض، ولا على من يملك تحالفات أقوى أو بيانات تضامن أكثر.

فالتطبيع لم يحل القضية الفلسطينية، ورفض التطبيع لم يمنع الحروب، والتحالفات الدفاعية الجديدة ما زالت مطالبة بإثبات قدرتها على حماية أعضائها.

وما بين الدبلوماسية التي لم تحقق تسوية عادلة، والتحالفات التي تواجه اختبار التنفيذ، تبدو المنطقة أمام مرحلة يُعاد فيها تحديد مفهوم الأمن والسلام وحدود السيادة.

إن التحدي الحقيقي ليس في رفض السلام أو القبول به، بل في امتلاك القدرة على التفاوض من موقع يحفظ الحقوق والمصالح، لا من موقع الخوف من التهديدات.
فهل يدفع العرب اليوم ثمن ما لم يفعلوه بالأمس، حين اكتفوا بالدفاع عن شروط السلام سياسياً من دون بناء القوة الكافية لحمايتها؟

وإذا كان الاختبار قد وصل اليوم إلى السعودية، فهل تستطيع المنطقة بناء توازن يحول دون اتساعه، أم أن دولاً عربية أخرى ستجد نفسها غداً أمام السؤال نفسه: كيف نحمي سيادتنا عندما لا نملك القدرة على فرض شروط السلام؟


المصدر : Transparency News