أثار تقرير لصحيفة «التلغراف» البريطانية مخاوف بشأن تحركات سفن صيد روسية قرب كابلات اتصالات بحرية حيوية، بعد رصد مئات الحالات التي تمركزت فيها هذه السفن فوق مسارات الكابلات أو تتبعتها. وتأتي هذه المعطيات وسط تحذيرات من أن استهداف البنية التحتية البحرية قد يهدد الاتصالات والخدمات المالية والنقل في بريطانيا وأوروبا.


كشفت صحيفة «التلغراف» البريطانية، في تقرير نشرته الخميس، عن تحركات لسفن صيد روسية أثارت شبهات بشأن استخدامها في جمع معلومات عن كابلات الاتصالات البحرية الحيوية التي تربط المملكة المتحدة بأوروبا والولايات المتحدة. وتأتي هذه المعطيات وسط تصاعد المخاوف الأوروبية من استهداف البنية التحتية الحيوية تحت الماء، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.

وبحسب التقرير، يتعقب حلف شمال الأطلسي «الناتو» سفناً مدنية روسية تمكث لفترات طويلة في المياه المحيطة ببريطانيا، وسط شبهات بأنها تنفذ عمليات تجسس لصالح موسكو.

وأوضحت الصحيفة أنها حللت أكثر من 500 حالة لسفن صيد روسية تحركت أو تمركزت فوق كابلات اتصالات بحرية حيوية تربط المملكة المتحدة بأوروبا والولايات المتحدة. كما رصدت سفناً أخرى تتبعت مسارات هذه الكابلات لمسافات طويلة عبر المحيط، وهي بنية تحتية تنقل بيانات مرتبطة بأنشطة اقتصادية تُقدّر قيمتها بمليارات الجنيهات الإسترلينية.

ونقل التقرير عن وزراء بريطانيين تحذيرهم من أن موسكو تستخدم ما وصفوه بـ«واجهات تجارية» لتهديد البنية التحتية الموجودة في أعماق البحار.

وحذّر التقرير من أن أي هجوم يستهدف شبكة الكابلات البحرية قد يتسبب في اضطرابات واسعة داخل المملكة المتحدة، تشمل احتمال تعطيل خدمات المستشفيات والبنوك وشبكات النقل. ويتطلب تنفيذ هجوم من هذا النوع، وفق التقرير، معلومات دقيقة عن المواقع الفعلية للكابلات في قاع البحر.

ونقلت «التلغراف» عن مصدر في حلف «الناتو» قوله: «نحن ندرك تماماً ما تفعله سفن الصيد المدنية الروسية وأين تتحرك»، مضيفاً أن «بعض هذه السفن لم تشهد أسطحها وجود سمكة واحدة على الإطلاق».

وبعد تحليل بيانات تتبع حركة السفن على مدى أربع سنوات، خلصت الصحيفة إلى أن النشاط الروسي الأكثر استمرارية تركز في المياه الواقعة شمال اسكتلندا. وفي هذه المنطقة، أمضت سفن صيد روسية ما مجموعه 337 ساعة فوق كابل الاتصالات البحري المعروف باسم «Atlantic Crossing 1»، الذي يشكل جزءاً من شبكة الاتصالات العابرة للمحيط الأطلسي.

مخاوف أوروبية من التخريب تحت الماء

تعيش أوروبا منذ أشهر على وقع حالة تأهب متزايدة، في ظل تصاعد المخاوف من عمليات تخريب روسية محتملة تستهدف البنية التحتية البحرية.

وفي 25 كانون الأول 2024، انقطع كابل إنترنت يربط فنلندا بدول البلطيق، في حادث ارتبط بناقلة النفط «إيغل إس»، التي أثارت تحركاتها شبهات واسعة. وبعد ساعات من الحادث الأول، اصطدمت مرساة السفينة نفسها بأربعة كابلات بحرية أخرى خلال فترة زمنية قصيرة ومتتابعة.

وبحسب التقرير، يُعتقد أن الناقلة تنتمي إلى ما يُعرف بـ«أسطول الظل الروسي»، وهو أسطول يضم سفناً تعمل بهويات أو ترتيبات ملكية غير واضحة، وتُستخدم، وفق الاتهامات الواردة، للالتفاف على العقوبات التجارية المفروضة على موسكو.

وفي ربيع العام الجاري، رصدت القوات البريطانية غواصات روسية أثناء تدريبات على استخدام سلاح سري مصمم لتعطيل كابلات الاتصالات البحرية الحيوية، من دون ترك آثار تكشف طبيعة الهجوم أو الجهة المسؤولة عنه، وفق ما أورده التقرير.

كابلات بحرية تدعم الاقتصاد البريطاني

تستند أنشطة اقتصادية بريطانية تُقدّر قيمتها بنحو 65 مليار جنيه إسترليني إلى كابلات الاتصالات البحرية التي تنقل البيانات بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وتتقاطع هذه الكابلات مع شبكة من خطوط الأنابيب الممتدة تحت البحار حول العالم، والتي يبلغ طولها الإجمالي نحو 20 ألف ميل، وتُستخدم لنقل المنتجات البترولية والنفط الخام والغاز الطبيعي.

وتمر عبر هذه الشبكات البحرية يومياً معاملات مالية تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات، إلى جانب ملايين البراميل من النفط وكميات كبيرة من الغاز، ما يجعلها من المكونات الأساسية للبنية التحتية التي تربط اقتصادات العالم.

ورغم أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، يشير التقرير إلى أن معظم هذه المنشآت لا يتمتع بحماية كافية في مواجهة التهديدات الخارجية. وفي بعض الحالات، تكون الكابلات والأنابيب مكشوفة ومعرضة للتلف، إلى درجة أن كائناً بحرياً، مثل سمكة، قد يتسبب في إلحاق الضرر بها.

سيناريو كارثي محتمل

يتمثل أحد أخطر السيناريوهات المطروحة في تعرض أجزاء متعددة من شبكة الكابلات البحرية لهجمات متزامنة، ولا سيما في مناطق مثل بحر البلطيق وشمال المحيط الأطلسي.

وقد يؤدي سيناريو كهذا إلى اضطرابات واسعة في أوروبا، خصوصاً إذا عجز مشغلو شبكات الاتصالات عن تحويل حركة الإنترنت والبيانات إلى كابلات بديلة، وهي الآلية التي تُستخدم عادة لتجاوز الأعطال والانقطاعات.

وفي تموز 2022، وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عقيدة بحرية جديدة تضمنت توجيهات للسلطات الروسية بتعزيز «قدرات التعبئة» الخاصة بـ«سفن الصيد والسفن المتخصصة».

وتشير هذه الخطوة، وفق التقرير، إلى اهتمام روسيا بتطوير قدرات أسطولها المدني وإمكانية الاستفادة منه في تنفيذ مهام ذات طبيعة استراتيجية.

وفي الوقت الراهن، لا يوجد قانون يمنع السفن الروسية من إجراء عمليات مسح واستطلاع لمسارات الكابلات البحرية الموجودة في المياه الدولية. وبذلك، تستطيع هذه السفن التحرك بالقرب من البنية التحتية البحرية الحيوية ورصد مواقعها، من دون أن يشكل ذلك بالضرورة انتهاكاً للقانون الدولي.


المصدر : سكاي نيوز عربية