الكهرباء تعود إلى واجهة الصراع السياسي.. إصلاحات الصدي تكشف أكثر فشل التجربة السابقة
منذ 44 دقيقة
منذ تسلّم وزير الطاقة والمياه جو الصدي مهامه، ومباشرته اتخاذ خطوات إصلاحية تهدف إلى انتشال قطاع الكهرباء من أزماته المتراكمة، بدأ التيار الوطني الحر بشنّ حملات إعلامية وسياسية متواصلة تستهدف الوزير وفريق عمله والقوات اللبنانية. حملات تقوم على الاتهامات والتضليل ومحاولات تشويه صورة الوزير، في مسعى لصرف أنظار اللبنانيين عن حصيلة خمسة عشر عامًا من إدارة التيار العوني لوزارة الطاقة، وما رافقها من فشل وإخفاقات وهدر، فيما بقي اللبنانيون أسرى العتمة رغم المليارات التي أُنفقَت من قبل الفريق العوني على القطاع.
فكل خطوة إصلاحية جديدة يقوم بها الصدي تعيد إلى الواجهة السؤال الذي يلاحق العونيين منذ خروجهم من الوزارة: ماذا فعلوا بقطاع الكهرباء طوال خمسة عشر عامًا، ولماذا بقي اللبنانيون أسرى العتمة رغم المليارات التي أُنفقت عليه؟
يرى مراقبون لتجربة الصدي أن الحملات التي تستهدفه وفريق عمله تتصاعد كلما تقدّم في معالجة أحد الملفات المزمنة. فالفريق العوني يحاول تشويه صورة الوزير الصدي وصرف الأنظار عن حصيلة إدارته السابقة للقطاع، عبر سجالات واتهامات تطغى على النقاش الجدي في الإصلاحات.
وقف النزيف
منذ البداية، وضع الصدي وقف النزيف المالي في صلب أولوياته، معتمدًا مقاربة تقوم على تمويل شراء الفيول من إيرادات مؤسسة كهرباء لبنان، بدلا من الاستمرار في تحميل الخزينة العامة أعباء إضافية. وهي مقاربة تهدف إلى تكريس الاستدامة المالية، بحيث تُستخدم الأموال المحصّلة من الجباية لتأمين الإنتاج والتغذية.
غير أن هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرة المؤسسة على تحصيل مستحقاتها وتأمين كلفة الفيول، وهي معادلة تكشف حجم الاختلالات المتراكمة في إدارة القطاع.
الهيئة الناظمة… بعد 23 عامًا من الانتظار
أما الخطوة الأكثر دلالة على مستوى الحوكمة، فكانت تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، بعد ثلاثة وعشرين عامًا من إقرار القانون رقم 462 لعام 2002. هذه الهيئة ليست تفصيلا إداريًا. فهي تتولى صلاحيات أساسية في تنظيم القطاع، وإصدار التراخيص، ومراقبة الأداء، وتشجيع المنافسة والاستثمار. والأهم أنها تنقل سلطة إدارة القطاع من مكتب الوزير إلى مؤسسة تنظيمية يُفترض أن تتمتع بالاستقلالية. وهنا تبرز مسؤولية الفريق العوني، الذي تعاقب على الوزارة طوال السنوات السابقة، وتعمّد تأخير تطبيق هذا الإصلاح.
من الخطط إلى الاستثمار والإنتاج
وفي موازاة الإصلاح الإداري، عملت الهيئة الناظمة على ورقة سياسة لقطاع الكهرباء، واضعة مشاركة القطاع الخاص ضمن أولويات إعادة النهوض به. فالقطاع الذي استنزف المال العام يحتاج إلى قدرات إنتاجية جديدة، ومعامل أكثر كفاءة، ومصادر طاقة أقل كلفة. وهذه الأهداف تتطلب استثمارات وشراكات طويلة الأمد، ضمن أطر قانونية ورقابية واضحة.
كذلك أعاد الصدي تحريك ملف خط الغاز العربي، وصولا إلى أعمال تأهيل الأنبوب الذي يربط بانياس السورية بشمال لبنان، ويمثّل هذا المسار فرصة لخفض كلفة الإنتاج والانتقال تدريجيًا من الاعتماد على الفيول إلى الغاز الطبيعي.
مؤسسات الدولة أمام استحقاق الدفع
ولعلّ إحدى أبرز المواجهات التي يخوضها الصدي اليوم تتعلّق بإلزام المؤسسات والإدارات العامة بتسديد فواتيرها المتراكمة لمؤسسة كهرباء لبنان. فكيف يُطلب من المؤسسة تأمين التغذية وزيادة الإنتاج، فيما تمتنع مؤسسات تابعة للدولة نفسها عن دفع مستحقاتها؟ هذه المعادلة دفعت الوزير إلى المطالبة بقرارات حكومية عملية تضمن تحصيل الأموال، وتعويض المؤسسة عن الإعفاءات الممنوحة للجنوب، وإقرار تعرفة متحركة تسمح بتغطية كلفة الفيول وزيادة ساعات التغذية وتجنّب المواطن لهيب فواتير المولدات.
قطر… المشروع الذي أعاد خلط الأوراق
وجاء إعلان الاهتمام القطري بالاستثمار في قطاع الكهرباء ليضيف بُعدًا استراتيجيًا إلى مسار الإصلاح. فبعد أشهر من الاتصالات والمفاوضات التي قادها الصدي مع الجانب القطري، برز مشروع متكامل يتناول استيراد الغاز الطبيعي المسال، وإنشاء معامل حديثة لإنتاج الكهرباء، وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، إلى جانب البنى التحتية اللازمة والربط الكهربائي مع سوريا.
صحيح أن المشروع لا يزال بحاجة إلى اتفاقات نهائية، وأن نتائجه لن تظهر فورًا، لكنه يفتح الباب أمام معالجة بنيوية لأزمة الكهرباء، بعدما طغت الحلول الموقتة على إدارة القطاع طوال سنوات.
وهنا صُعق الفريق العوني، بحسب مصادر مطلعة، التي تعتبر أن احتمال نجاح مشروع استراتيجي من هذا النوع يضع الفريق العوني أمام مقارنة محرجة بين ما طُرح سابقًا من خطط فشلت، وما يمكن أن يتحقق فعليًا في المرحلة المقبلة.
انطلاقًا من كل ذلك، يمكن فهم حجم التخبّط الذي يعيشه الفريق العوني، وتصاعد حملات الاتهام والتضليل في تصريحاته ومواقفه الأخيرة. فنجاح الإصلاحات التي بدأها الصدي، وما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحوّلات في قطاع الكهرباء، يضعان الفريق العوني أمام واقع سياسي مكشوف، ويعيدان تذكير اللبنانيين بإخفاقات العونيين طوال خمسة عشر عامًا في إدارة القطاع.
المصدر : نداء الوطن - ريشار حرفوش







