في مقاربة واقعية لملف الكهرباء، وضع النائب غسان حاصباني الإصبع على جوهر الأزمة، واصفا بهذوئه ومنطقه المعهود ثلاثة مسارات متكاملة تتابع لمعالجتها: الحلول الدائمة، والمحاسبة، والإجراءات الآنية. وهي مقاربة تصيب في جوهرها، لأن التعاطي مع قطاع استنزف مليارات الدولارات من أموال اللبنانيين يحتاج إلى هذا القدر من الوضوح، وإلى قرارات قابلة للتنفيذ، بعيداً من الخطط النظرية والوعود التي بقيت طوال سنوات حبراً على ورق والشعبوية والمزايدات.


أولاً، الحلول الدائمة والاستثمار في الإنتاج. يشكّل المسار الاستثماري مع دولة قطر فرصة جدية لتطوير إنتاج الكهرباء وتأمين الغاز، بما يتيح الانتقال تدريجياً إلى مصادر طاقة أكثر استدامة وأقل كلفة. ويتكامل هذا التوجه مع تفعيل دور الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، ولا سيما في منح تراخيص الإنتاج والتوزيع وفقاً للقانون، في خطوة من شأنها وضع الإطار التشريعي الذي أُقرّ عام 2002 موضع التطبيق الفعلي، وفتح المجال أمام استثمارات منظّمة تخضع للرقابة والمساءلة.

ثانياً، المحاسبة ومنع تكرار التجارب السابقة. لا يمكن إصلاح قطاع الكهرباء من دون فتح ملفات الماضي ومحاسبة المسؤولين عن الهدر وسوء الإدارة. ومن هنا تبرز أهمية التدقيق الجنائي في ملف بواخر الكهرباء، والإخبارات المقدّمة إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فالمحاسبة ضرورة لحماية أي استثمار جديد. 

ثالثاً، الحلول الآنية وتأمين الاستمرارية المالية. في انتظار نتائج الاستثمارات والإصلاحات البنيوية، تبقى الأولوية لتأمين الأموال اللازمة لشراء الفيول واستمرار التغذية. وهذا يتطلب إلزام المؤسسات العامة بتسديد مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان، ووقف التغذية عن الجهات والمؤسسات والمخيمات التي تمتنع عن الدفع، وفق الأصول القانونية، وهذا ما تقوم به وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان. فليس مقبولاً أن يُطلب من المواطن تسديد فواتيره فيما تتخلّف مؤسسات عامة وجهات أخرى عن الوفاء بالتزاماتها.

وفي هذا السياق، تقع على الحكومة مسؤولية الاستجابة لمطالب وزير الطاقة والمياه جو الصدي، عبر تأمين الاعتمادات اللازمة، بما يسمح باستخدام الأموال المتوافرة في مصرف لبنان لتسديد ما تبقّى من المستحقات وتأمين استمرارية الإنتاج. فنجاح الإصلاحات يحتاج أيضاً إلى قرارات حكومية تواكبها وتوفّر لها الإمكانات المالية والإدارية الضرورية.

ما طرحه حاصباني يعكس المقاربة التي تحكم إدارة قطاع الكهرباء: استثمارات تؤسّس للمستقبل، ومحاسبة تقطع مع ممارسات الماضي، وإجراءات فورية تحافظ على استمرارية التغذية وتحمي أموال المؤسسة.

وهنا يكمن الفارق بين من يتعامل مع الكهرباء بوصفها ملفاً يحتاج إلى قرارات وتنفيذ ومساءلة ضمن ممارسة الدولة لسلطتها، ومن أمضى سنوات في تقديم الخطط والوعود، فيما كانت بواخر الكهرباء تحرق أموال المودعين، وتتراكم الخسائر، ويبقى اللبنانيون أسرى العتمة.

إنقاذ الكهرباء يبدأ من وضوح الخيارات، وتحمل المسؤوليات، وتنفيذ القرارات. وهذه تحديداً هي أهمية النقاط لتي عرضها حاصباني: معالجة الحاضر، ومحاسبة الماضي، والاستثمار في المستقبل.


المصدر : Transparency News