في الذكرى العاشرة لرحيله، يعود اسم الموسيقار ملحم بركات إلى الواجهة، مستحضراً مسيرة فنية بدأت من بلدته كفرشيما، التي شهدت ولادة موهبته ونشأته الأولى، قبل أن ينطلق منها إلى المسارح اللبنانية والعربية. وبصوته القوي وألحانه المميّزة وتمسّكه بالأغنية اللبنانية، ترك بركات إرثاً فنياً لا يزال حاضراً في ذاكرة الجمهور، بعد عشر سنوات على وفاته في 28 تشرين الأول 2016.


من كفرشيما بدأت الحكاية

وُلد ملحم أنطوان بركات في بلدة كفرشيما في جبل لبنان، ونشأ في عائلة متواضعة كان الفن حاضراً في أجوائها. فقد كان والده أنطوان نجّاراً يجيد العزف على العود، الأمر الذي ساهم في تعرّف الابن منذ صغره إلى عالم الموسيقى والنغم

ظهرت موهبته في سنوات الدراسة الأولى، ولم يكن الغناء بالنسبة إليه مجرد هواية عابرة، بل شغفاً دفعه إلى اتخاذ قرار غيّر مسار حياته. ففي سن السادسة عشرة تقريباً، ترك المدرسة واتجه إلى المعهد الوطني للموسيقى، حيث درس أصول الموسيقى والغناء والعزف، متأثراً بالتراث الموسيقي العربي وبأعمال الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب.

لم يكن طريقه تقليدياً، إذ اختار التفرّغ للفن في وقت لم تكن فيه المسيرة الفنية مهنة مضمونة أو سهلة، خصوصاً في بيئة محافظة تنظر أحياناً إلى الفن بوصفه خياراً محفوفاً بالمخاطر. لكنه تمسّك بقراره، وبدأ يشق طريقه بثقة وإصرار.

من المدرسة الرحبانية إلى عالم الاحتراف

شكّلت المدرسة الرحبانية محطة مهمة في مسيرة ملحم بركات. فقد انضم إلى عالم المسرح الغنائي، وشارك في أعمال الأخوين رحباني، حيث تعرّف إلى أساليب جديدة في الأداء والتلحين، واحتكّ بأسماء بارزة في الأغنية والمسرح اللبنانيين.

وكان ظهوره في مسرحية «الشخص» عام 1968 إلى جانب فيروز من المحطات المعروفة في بداياته المسرحية. كما شارك في أعمال مسرحية وغنائية أخرى، من بينها «هالة والملك»، قبل أن تتوسع تجربته خارج إطار المسرح الرحباني.

لكن بركات لم يكن راغباً في البقاء ضمن قالب فني واحد. فقد امتلك طموحاً لتقديم أسلوب خاص يجمع بين قوة الصوت، واللحن الشرقي، والإيقاع اللبناني، مع مساحة واسعة للتعبير والانفعال. ومن هنا بدأت ملامح شخصيته الموسيقية بالظهور تدريجياً.

ملحّن قبل أن يكون مطربا

لم تقتصر موهبة ملحم بركات على صوته، بل كان التلحين أحد أبرز أعمدة تجربته. وقد وضع ألحاناً لعدد من كبار الفنانين، من بينهم وديع الصافي وصباح وماجدة الرومي ووليد توفيق، مقدّماً أعمالاً تجمع بين الطرب والتجديد، وتحافظ في الوقت نفسه على هوية الأغنية اللبنانية.

ومن أبرز المحطات في بداياته التلحينية أغنية «بلّغي كل مواعيدي» التي قدّمها مع الفنانة جورجيت صايغ، فيما أسهمت أعماله اللاحقة في ترسيخ اسمه ملحّناً قادراً على بناء جملة موسيقية واضحة وقابلة للبقاء في ذاكرة المستمع.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، اتسع حضوره في عالم التلحين، ولا سيما من خلال أعمال صباح ومشاركتها في المسرح الغنائي. وبرزت ألحانه في عدد من الأغنيات التي اتسمت بالإيقاع الحيوي والطابع اللبناني، بعيداً عن الاكتفاء باستنساخ الأساليب الموسيقية السائدة.

لم يكن بركات يفصل بين شخصيته كمطرب وشخصيته كملحّن. كان يتعامل مع اللحن باعتباره مساحة لصناعة هوية الأغنية، لا مجرد خلفية موسيقية لصوت المغني، وهو ما منح أعماله طابعاً خاصاً.

صوت لا يشبه سواه

امتلك ملحم بركات صوتاً قوياً ذا مساحة واسعة، وقدرة على الانتقال بين المقامات والجمل الطربية، مع أداء يتسم بالاندفاع والوضوح. وكانت طريقته في الغناء تجمع بين المدرسة الشرقية التقليدية والحيوية التي ميّزت الأغنية اللبنانية الحديثة.

ولم يعتمد على الصوت وحده، بل ارتبط أداؤه بشخصيته وحضوره على المسرح، وبقدرته على تقديم الأغنية كما لو أنها حكاية يعيش تفاصيلها. لذلك لم يكن مستغرباً أن يُعرف بلقب «الموسيقار»، وهو لقب ارتبط باسمه وبمكانته في التلحين والغناء.

ومن أبرز الأغنيات التي ارتبطت باسمه «جايي الحب»، و«كل اللي بيشوفك»، و«لما حبيبك»، و«موعدنا بأرضك»، إلى جانب أعمال أخرى تنوّعت بين العاطفي والوطني والطربي. وقد حافظت هذه الأغنيات على حضورها في الحفلات والجلسات الفنية، حتى بعد رحيله.

الأغنية اللبنانية في قلب مشروعه

في مرحلة اتجه فيها عدد من الفنانين إلى توسيع انتشارهم عبر الغناء بلهجات عربية مختلفة، ظل ملحم بركات متمسكاً باللهجة اللبنانية، معتبراً أن للأغنية المحلية خصوصيتها التي تستحق الحفاظ عليها وتطويرها.

لم يكن هذا التمسك رفضاً للتجديد بحد ذاته، بل تعبيراً عن قناعته بأن الأغنية اللبنانية قادرة على الوصول إلى جمهور عربي واسع من دون التخلي عن لهجتها وإيقاعاتها ومفرداتها. وقد جمع في أعماله بين الطابع الجبلي اللبناني والتأثيرات الموسيقية المشرقية، مع مساحة واضحة للطرب والمواويل.

كما قدّم أعمالاً وطنية عبّرت عن علاقته بلبنان، من بينها «موعدنا أرضك يا بلدنا» و«بلادي ومين ما بيعرف جمالها»، فحضر الوطن في جزء من رصيده إلى جانب الحب والعاطفة والحنين.

وبذلك لم تكن تجربته مجرد مجموعة من الأغنيات الناجحة، بل امتداداً لرؤية فنية أرادت أن تحافظ على خصوصية الموسيقى اللبنانية، من دون أن تحصرها في الماضي.

شخصية مثيرة للجدل خارج المسرح

لم يكن ملحم بركات فناناً هادئاً في مواقفه وتصريحاته. فقد عُرف بآرائه الصريحة وانتقاداته لبعض الاتجاهات في الوسط الفني، ولم يتردد في التعبير عن اعتراضه على ما كان يراه ابتعاداً عن هوية الأغنية اللبنانية.

وأثارت تصريحاته أحياناً نقاشات وجدلاً، إلا أن هذه الشخصية المباشرة كانت جزءاً من صورته العامة، إلى جانب عفويته وحضوره القوي. وقد بقيت علاقته بالفن قائمة على قناعة واضحة بأن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للشهرة، بل مسؤولية تجاه التراث والذوق العام.

كذلك عُرف بحبه للطبيعة والصيد، وبعلاقاته مع عدد من الفنانين الذين رافقوه في مراحل مختلفة من حياته. وكان يرى في الرحلات والابتعاد عن ضجيج العمل الفني مساحة للراحة والتأمل، بل إن بعض الروايات عن حياته أشارت إلى أن أفكاراً موسيقية كانت ترافقه خلال تلك الرحلات.

حياته العائلية

إلى جانب مسيرته الفنية، عاش ملحم بركات حياة عائلية وشخصية حظيت باهتمام إعلامي. تزوّج أكثر من مرة، وأنجب أربعة أولاد هم مجد ووعد وغنوة وملحم جونيور، الذي أنجبه من الفنانة مي حريري.

وعلى الرغم من انشغاله الدائم بالموسيقى والحفلات والتلحين، بقيت حياته الخاصة جزءاً من صورته في الإعلام، كما هي الحال مع كثير من الفنانين الذين تحوّلت حياتهم الشخصية إلى مادة للمتابعة العامة.

السينما والمسرح... وجوه أخرى للموسيقار

إلى جانب الغناء والتلحين، خاض بركات تجارب في التمثيل، وشارك في أعمال سينمائية ومسرحية لبنانية. ومن بين أفلامه «سمك بلا حسك» و«حبي الذي لا يموت»، كما ارتبط اسمه بأعمال مسرحية غنائية أسهمت في توسيع تجربته الفنية.

لكن التلحين والغناء بقيا المساحة الأبرز في مسيرته، إذ كان الجمهور يتعامل معه أساساً بوصفه صاحب صوت مميز وشخصية موسيقية مستقلة، قادرة على الجمع بين الأداء الطربي واللحن الذي يحمل بصمته.

المرض والرحيل

في أواخر مسيرته، واجه ملحم بركات مشكلات صحية أبعدته عن الأضواء لفترات. وفي 28 تشرين الأول 2016، توفي في بيروت عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد صراع مع المرض.

شكّل رحيله خسارة للوسط الفني اللبناني، ونعاه فنانون وشخصيات عامة استعادوا مكانته في الأغنية اللبنانية وعلاقاته الفنية الطويلة. ولم يكن الحزن مرتبطاً فقط برحيل مطرب محبوب، بل أيضاً بغياب ملحّن امتلك أسلوباً خاصاً وصوتاً يصعب الخلط بينه وبين غيره.

إرث يتجاوز سنوات العمر

بعد سنوات على رحيله، لا يزال اسم ملحم بركات حاضراً في الذاكرة الموسيقية اللبنانية، من خلال أغنياته وألحانه التي تتناقلها الأجيال، وتُستعاد في الحفلات والبرامج الفنية.

تميّزت تجربته بقدرته على الجمع بين الغناء والتلحين، وبتمسّكه باللهجة اللبنانية، وبشخصية فنية لم تسعَ إلى إرضاء الجميع بقدر ما سعت إلى التعبير عن قناعاتها الموسيقية. وبين الطرب الأصيل واللحن المتجدّد، ترك بركات رصيداً يذكّر بأن الفنان قد يرحل، لكن صوته وأعماله يستطيعان البقاء أبعد من زمنه.

لم يكن ملحم بركات مجرد مطرب لبناني ناجح، بل موسيقاراً صنع لنفسه هوية واضحة، وجعل من الأغنية اللبنانية مساحة للتعبير عن الحب والوطن والحنين، تاركاً خلفه إرثاً فنياً ما زال يجد طريقه إلى آذان المستمعين وذاكرتهم.


المصدر : Transparency News - Daniella SABER