يقف رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام لحظة لا تحتمل التردد. الوقت يضيق، والفرصة قد لا تتكرر. بعد سنوات من الانهيار والتوتر والدمار، هناك نافذة حقيقية أمام لبنان: دعم دولي، فرصة لاستعادة الاستقرار، إمكان فتح باب الاستثمارات، إعادة النازحين، والبدء بإخراج البلد من دوامة استنزفته طويلاً.


 

لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.

العالم ينظر اليوم إلى الدولة اللبنانية، لا إلى الميليشيات. وينتظر أن يرى إن كانت قادرة فعلاً على اتخاذ القرار وتنفيذه. وهنا تحديداً تُختبر رئاسة جوزاف عون.

ليس المطلوب خطاباً جديداً عن السيادة، بل قرار يثبت أن السيادة أصبحت ممارسة. وليس المطلوب إعلان النيات، بل تنفيذها. فإذا تردد عون، أو خضع لمنطق الانتظار، قد تضيع لحظة سياسية نادرة، وسيُذكر بأنه كان أمام فرصة تاريخية ولم يحسمها. أما إذا اتخذ القرار ومضى به حتى النهاية، فقد يفتح صفحة جديدة للدولة ويضع اسمه في موقع مختلف تماماً.

المسألة ليست فقط اتفاقاً سياسياً. هي اختبار لمن يملك القرار في لبنان.

هل الدولة هي التي تقرر؟

أم أن هناك من يستطيع تعطيلها متى شاء؟

وهنا تأتي قضية شاحنة المتفجرات على ضهر البيدر.

هذه ليست حادثة عابرة، ولا ملفاً أمنياً يمكن إقفاله ببيان أو توقيف محدود. هي اختبار مباشر لهيبة الدولة ولقدرتها على حماية الناس. اللبنانيون لا يريدون تطمينات عامة. يريدون أن يعرفوا من نقل المتفجرات، ولمن كانت، ومن غطّى، ومن سهّل، ومن يقف خلفها.

والأهم: هل ستصل المحاسبة إلى الجميع، أم ستتوقف مرة جديدة عند حدود السياسة؟

لا يمكن لعون أن يسمح بتكرار منطق الصمت والتسويات. لأن أي ضعف في هذا الملف لا يضرب فقط صورة الدولة، بل يرسل رسالة أخطر: أن نقل المتفجرات على طرق المدنيين يمكن أن يحصل، وأن الدولة قد تكتفي لاحقاً بالمشاهدة.

وهنا تحديداً تعود ذاكرة مرفأ بيروت.

ليس لأن الحادثتين متماثلتان، بل لأن الإحساس واحد: خطر موجود، دولة مترددة، ومسؤولية تضيع بين الأجهزة والسياسة والحسابات.

المرفأ لم يكن مجرد انفجار. كان لحظة انكسار في علاقة اللبناني بالدولة. الناس شعرت أن أحداً لم يحمها قبل الكارثة، وأن أحداً لم يحاسب بعدها كما يجب.

ولهذا فإن أي ملف يتعلق بالمتفجرات اليوم لا يمكن التعامل معه كأنه حادث منفصل عن تلك الذاكرة.

السؤال الذي يطرحه اللبنانيون بسيط ومؤلم: هل تعلّمنا شيئاً من الرابع من آب؟

أم أننا ننتظر كارثة جديدة كي نعيد الكلام نفسه؟

لبنان يعرف جيداً ماذا يعني وجود سلاح خارج الدولة. يعرف ماذا يعني أن تُتخذ قرارات أمنية وعسكرية خارج المؤسسات، وأن تُنفذ عمليات ثم تُترك الدولة عاجزة أمام تداعياتها.

وعرف أيضاً سنوات من الاغتيالات السياسية والخوف وتعطيل التحقيقات.

اغتيال رفيق الحريري لم يكن حدثاً منفصلاً عن مرحلة طويلة استُهدف خلالها سياسيون وإعلاميون وناشطون، فيما بقيت الدولة في كثير من الملفات أضعف من القدرة على الوصول إلى الحقيقة كاملة.

لهذا فإن قضية ضهر البيدر تتجاوز شاحنة واحدة.

هي تعيد السؤال الأكبر إلى الواجهة: هل يبقى السلاح الخارج عن الدولة قادراً على الحركة فوق القانون؟ أم أن هذه اللحظة ستكون بداية إغلاق هذا الباب نهائياً؟

هذه هي ساعة جوزاف عون.

إذا أحال الملف إلى المجلس العدلي، وضمن تحقيقاً لا يُفصّل على قياس أحد، ورفع أي غطاء سياسي عن أي متورط، وأثبت أن الأمن قرار دولة لا قرار جماعة، فإنه لا يعالج حادثة أمنية فقط.

هو يعيد بناء جزء من الثقة التي تحطمت منذ المرفأ.

أما إذا دخل الملف في دهاليز التسويات، وإذا بدأ التخفيف والتبرير والتأخير، فالرسالة ستكون واضحة أيضاً: لم يتغير شيء.

والناس ستفهم أن الدولة ما زالت عاجزة عندما تصل الأمور إلى الاختبار الحقيقي.

لهذا لا يملك عون ترف الانتظار.

المطلوب حسم سياسي، وحسم أمني، وتحقيق يصل إلى النهاية، ومحاسبة لا تتوقف عند الحلقة الأضعف.

والمطلوب قبل كل شيء أن يفهم الجميع أن الدولة ليست شريكاً ثانوياً في أمن لبنان، بل المرجعية الوحيدة له.

هذه ليست معركة ضد طائفة، ولا ضد منطقة، ولا ضد جمهور.

هي معركة من أجل دولة تحمي الجميع.

لأن اللبناني لا يريد أكثر من حقه الطبيعي: أن يخرج من بيته من دون أن يخشى شاحنة متفجرات، وأن يعيش في بلد لا تُدار فيه الحروب والاغتيالات من خارج مؤسساته، وأن يعرف أن من يهدد أمنه سيُحاسب مهما كان اسمه أو موقعه.

أمام جوزاف عون فرصة لأن يثبت أن الدولة تعلّمت.

وأن المرفأ لن يتكرر.

وأن زمن التسويات على حساب أمن الناس انتهى.

إما أن يُغلق هذا الباب الآن، أو سنبقى ننتظر الكارثة التالية.

ولبنان لم يعد يحتمل كارثة أخرى.