خاص- نتنياهو وإسقاط النظام الإيراني: هل تتفكك الدولة على خطوط القوميات؟
منذ 1 ساعة
إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العمل على إسقاط النظام الإيراني في صلب أهدافه الاستراتيجية وأنه أصدر توجيهاته إلى الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد والأجهزة الأمنية للعمل على تحقيقه، أعاد طرح السؤال عن مصير إيران في حال نجحت عملية إسقاط النظام، وفي حال فشلت القوى الداخلية في الاتفاق على سلطة بديلة تمسك بمؤسسات الدولة.
"مجلس العلاقات الخارجية الأميركي" المعني بالتخطيط لمرحلة الانتقال في القيادة الإيرانية، حذر من أن انهيار النظام من دون وجود بديل سياسي مستقر قد يطلق مطالب بعض الأقليات بالحكم الذاتي، ويثير مخاوف الدول المجاورة من امتداد الاضطرابات إلى أراضيها. لكنه يشير في تقرير صادر عنه من أن استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة يظل أحد المسارات المحتملة، بمعنى أن سقوط النظام لا يقود حتماً إلى تفكك الدولة. فالعامل الحاسم يبقى في قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية على الاستمرار، وإمكان تشكيل سلطة انتقالية تحظى بحد أدنى من الشرعية. أما إذا تفككت مراكز القرار، وانقسمت القوات المسلحة، وفشلت القوى السياسية في الاتفاق على بديل، فقد تتحول المطالب القومية إلى مشاريع حكم ذاتي أو انفصال، وتصبح الحدود الإيرانية نفسها موضع نزاع.
خريطة التصدعات الداخلية
إيران دولة متعددة القوميات، تضم الفرس والأذريين والأكراد والبلوش والعرب والتركمان واللور وغيرهم. وتختلف التقديرات المتعلقة بحجم هذه المجموعات، في ظل غياب بيانات رسمية شاملة وموثوقة. غير أن تقديرات منشورة في دراسات عدة تضع الفرس عند نحو 60 إلى 65 في المئة من عدد السكان، والأذريين عند نحو 16 إلى 20 في المئة، والأكراد عند نحو 5 إلى 10 في المئة، مع تفاوت تقديرات بقية المجموعات. إلا أن تركز بعض الجماعات في المناطق الحدودية، وتراكم الضغوط السياسية والاقتصادية والثقافية، يجعل عدداً من الأقاليم مرشحاً لأن يتحول إلى بؤرة اضطراب إذا فقدت السلطة المركزية قدرتها على فرض النظام.
كردستان الإيرانية: الأكثر استعداداً
تُعد المناطق الكردية في شمال غرب إيران من أبرز نقاط الضعف المحتملة في سيناريو انهيار المركز. فهناك أحزاب ذات خبرة سياسية وعسكرية، أبرزها "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" و"حزب الحياة الحرة الكردستاني"، إلى جانب تنظيمات أخرى. ومن هنا يمكن فهم الاستهدافات الدورية لمراكز هذه الاحزاب في مناطق كردستان العراقية.
وفي تحليل نشره معهد "New Lines" مطلع العام بعنوان " الانقسامات بين جماعات الأقليات الإيرانية مهيأة للانفجار"، يشير الباحث "نوزار وزيري" إلى أن المطالب بالحكم الذاتي متجذرة في بعض الأوساط الكردية، بفعل التهميش الاقتصادي والتجارب التاريخية للصدام مع السلطة، فضلاً عن الروابط الجغرافية والاجتماعية مع إقليم كردستان العراق. ويعتبر التحليل أن المناطق الكردية من أكثر الأقاليم الإيرانية قابلية لظهور نزعات انفصالية إذا تراجعت سيطرة الحكومة المركزية. لكن هذا التطور الذي قد يبدأ من محاولة فرض إدارة محلية مستقلة فعلياً، يتوقف على قدرة الأحزاب الكردية على توحيد مواقفها، وعلى موقف بغداد وأربيل وأنقرة وواشنطن، وليس على قوتها المحلية وحدها.
بلوشستان: تمرد حدودي
في جنوب شرق البلاد، تتداخل المظالم الاقتصادية والتهميش السياسي مع الانقسامات المذهبية، إذ يشكل البلوش السنة مكوّناً أساسياً في إقليم سيستان وبلوشستان. وتوجد جماعات مسلحة، أبرزها "جيش العدل" وهي ناشطة في مواجهة السلطات الإيرانية. وقد يؤدي انهيار السلطة المركزية إلى تصاعد الهجمات على المؤسسات الأمنية ومحاولة فرض سيطرة محلية على مناطق حدودية، على اعتبار أن للانفصال تداعيات كبيرة تتعلق بموقف باكستان التي تعاني بدورها من تمرد بلوشي وتنظر إلى قيام كيان انفصالي عابر للحدود تطوراً خطيراً على أمنها القومي.
خوزستان والأحواز: الثروة النفطية والمياه
يكتسب الإقليم في جنوب غرب إيران أهمية استثنائية بسبب موارده النفطية والغازية وموقعه القريب من العراق والخليج. وتضم المنطقة عرباً إيرانيين يشكون من التمييز والتهميش، فيما تنشط حركات تطالب بحقوق قومية أوسع، بينها "حركة النضال العربي لتحرير الأحواز". وفي حال انهيار السلطة المركزية، فقد تتنافس قوى محلية على إدارة المنشآت النفطية والموانئ والبنى التحتية الحيوية. ومع ذلك، فإن تحويل خوزستان إلى كيان مستقل لن يكون أمراً سهلاً. فالموارد التي تجعل الإقليم مهماً ستجعله أيضاً موضع تنافس داخلي وتدخلات خارجية، بينما سيواجه أي مشروع انفصالي رفضاً شديداً من القوى الإيرانية القومية، أياً كان شكل النظام الذي سيخلف الجمهورية الإسلامية.
ذربيجان الإيرانية: الثقل الديموغرافي
يمثل الأذريون أكبر المجموعات غير فارسية في إيران، وهم متداخلون تاريخياً مع مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد. وقد يدفع ضعف المركز بعض التيارات القومية إلى المطالبة بتوسيع الحقوق اللغوية والثقافية أو الحكم المحلي، فيما تطرح تيارات أخرى فكرة التقارب مع جمهورية أذربيجان. ويلفت معهد " New Lines" إلى أن المجموعات القومية الأذرية المسلحة ليست في تصاعد، وأن التوجهات الانفصالية لا تمثل بالضرورة موقف كل المجتمع الأذري. كما أن وجود الأكراد والأذريين في مناطق متداخلة، ولا سيما محافظة أذربيجان الغربية، يجعل الانفصال بالغ الصعوبة، بينما الخطر يكمن في احتمال تحول مطالب الهوية والحقوق إلى صراع إقليمي في حال تدخل قوى خارجية أو في حال تصادمت مشاريع الحكم المحلي مع مشروع إعادة بناء الدولة الإيرانية.
بين الانهيار والانفصال
تشير بعض الدراسات وأبرزها تلك التي نشرها موقع "Engelsberg Ideas" أن المجتمعات الإيرانية ليست كتلًا منفصلة يمكن تحويلها بسهولة إلى دول مستقلة، وأنها تشكلت عبر قرون من التداخل السكاني والثقافي والسياسي والجغرافي، ولا تتطابق هوياتها القومية مع حدود إقليمية قابلة للفصل بسهولة. وأن الهوية الإيرانية الجامعة والانتماء القومي لا يلغي بالضرورة الانتماء إلى الدولة الإيرانية. وقد يكون الأفضل لهذه المجتمعات من الاستقلال الكامل، الانتقال إلى نظام لامركزي أو فيدرالي يضمن الحقوق اللغوية والثقافية.
يدعم هذا المسار الافتراضي مصالح القوى الإقليمية والدولية. فتركيا لا تحبذ نشوء كيان كردي مستقل، وباكستان تخشى انعكاسات أي مشروع بلوشي عابر للحدود، فيما تراقب روسيا وأذربيجان وأرمينيا التوازنات في القوقاز من منظور مصالحها الأمنية. أما القوى الغربية، فقد تجد أن انتقالاً سياسياً يحافظ على وحدة إيران أكثر قابلية للإدارة من انهيار دولة كبيرة تتحكم بموقع استراتيجي وموارد حيوية.
في الخلاصة
إذا نجحت إسرائيل، بدعم أميركي محتمل، في إسقاط النظام الإيراني، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي. فإزالة القيادة السياسية لا تعني تلقائياً انهيار مؤسسات الدولة، كما أن إضعاف الجيش والأجهزة الأمنية لا يؤدي بالضرورة إلى ولادة دول قومية مستقلة على أطراف البلاد. وقد تنتج هذه المرحلة مناطق نفوذ، أو سلطة عسكرية جديدة، أو نظاماً لامركزياً، من دون أن تنتهي بالضرورة إلى تقسيم إيران.
وبين سقوط النظام وتفكك إيران مراحل سياسية وعسكرية وجغرافية طويلة. فانهيار السلطة المركزية بداية مرحلة من الفوضى لكنها لا تعني بالضرورة تقسيماً للبلاد. فالكيانات التي قد تنشأ داخلياً والقوى الخارجية المؤثرة لن تكون قادرة على الاتفاق على خريطة جغرافية بديلة عن الخريطة الحالية لإيران.







